فهرس الكتاب

الصفحة 4036 من 4224

"صفحة رقم 346"

يقتضيه التواضع والتذلل ؛ أو لأن المعنى أن عبادة عبد الله لله ليست بأمر مستعبد عن العقل ولا مستنكر حتى يكونوا عليه لبدًا . ومعنى قام يدعوه: قام يعبده ، يريد قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن ، فاستمعوا لقراءته عليه السلام . ) كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (: أي يزدحمون عليه متراكمين ، تعجبًا مما رأوا من عبادته ، واقتداء أصحابه به قائمًا وراكعًا وساجدًا ، وإعجابًا بما تلا من القرآن ، لأنهم رأوا ما لم يروا مثله ، وسمعوا بما لم يسمعوا بنظيره . انتهى ، وهو قول متقدم كثره الزمخشري بخطابته . وقرأ الجمهور: ) لِبَدًا ( بكسر اللام وفتح الباء جمع لبدة ، نحو: كسرة وكسر ، وهي الجماعات شبهت بالشيء المتلبد بعضه فوق بعض ، ومنه قول عبد مناف بن ربيع: صافوا بستة أبيات وأربعة

حتى كأن عليهم جانبًا لبدًا

وقال ابن عباس: أعوانًا . وقرأ مجاهد وابن محيصن وابن عامر: بخلاف عنه بضم اللام جمع لبدة ، كزبرة وزبر ؛ وعن ابن محيصن أيضًا: تسكين الباء وضم اللام لبدًا . وقرأ الحسن والجحدري وأبو حيوة وجماعة عن أبي عمرو: بضمتين جمع لبد ، كرهن ورهن ، أو جمع لبود ، كصبور وصبر . وقرأ الحسن والجحدري: بخلاف عنهما ، لبدًا بضم اللام وشد الباء المفتوحة . قال الحسن وقتادة وابن زيد: لما قام الرسول للدعوة ، تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه ، فأبى الله إلا أن ينصره ويتم نوره . انتهى . وأبعد من قال عبد الله هنا نوح عليه السلام ، كاد قومه يقتلونه حتى استنقذه الله منهم ، قاله الحسن . وأبعد منه قول من قال إنه عبد الله بن سلام .

الجن: ( 20 ) قل إنما أدعو . . . . .

وقرأ الجمهور: قال إنما أدعوا ربي: أي أعبده ، أي قال للمتظاهرين عليه: ) إِنَّمَا ادْعُواْ رَبّى (: أي لم آتكم بأمر ينكر ، إنما أعبد ربي وحده ، وليس ذلك مما يوجب إطباقكم على عداوتي . أو قال للجن عند ازدحامهم متعجبين: ليس ما ترون من عبادة الله بأمر يتعجب منه ، إنما يتعجب ممن يعبد غيره . أو قال الجن لقومهم: ذلك حكاية عن رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وهذا كله مرتب على الخلاف في عود الضمير في ) كَادُواْ ). وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو بخلاف عنه: ) قُلْ (: أي قل يا محمد لهؤلاء المزدحمين عليك ، وهم إما الجن وإما المشركون ، على اختلاف القولين في ضمير ) كَادُواْ ).

الجن: ( 21 ) قل إني لا . . . . .

ثم أمره تعالى أن يقول لهم ما يدل على تبرئه من القدرة على إيصال خير أو شر إليهم ، وجعل الضر مقابلًا للرشد تعبيرًا به عن الغي ، إذ الغي ثمرته الضرر ، يمكن أن يكون المعنى: ضرًا ولا نفعًا ولا غيًا ولا رشد ، فحذف من كل ما يدل عليه مقابله . قرأ الأعرج: رشدًا بضمتين .

الجن: ( 22 ) قل إني لن . . . . .

ولما تبرأ عليه السلام من قدرته على نفعهم وضرهم ، أمر بأن يخبرهم بأنه مربوب لله تعالى ، يفعل فيه ربه ما يريد ، وأنه لا يمكن أن يجبره منه أحد ، ولا يجد من دونه ملجأ يركن إليه ، قال قريبًا منه قتادة . وقال السدي: حرزًا . وقال الكلبي: مدخلًا في الأرض ، وقيل: ناصرًا ، وقيل: مذهبًا ومسلكًا ، ومنه قول الشاعر: يا لهف نفسي ونفسي غير مجدية

عني وما من قضاء الله ملتحد

وقيل: في الكلام حذف وهو: قالوا له أترك ما ندعو إليه ونحن نجيرك ، فقيل له: قل لن يجيرني . وقيل: هو جواب لقول وردان سيد الجن ، وقد ازدحموا عليه ، قال وردان: أنا أرحلهم عنك ، فقال: إني لن يجبرني أحد ، ذكره الماوردي .

الجن: ( 23 ) إلا بلاغا من . . . . .

( إِلاَّ بَلاَغًا ( ، قال الحسن: هو استثناء منقطع ، أي لن يجيرني أحد ، لكن إن بلغت رحمني بذلك . والإجارة للبلاغ مستعارة ، إذ هو سبب إجارة الله تعالى ورحمته . وقيل على هذا المعنى: هو استثناء متصل ، أي لن يجيرني في أحد ، لكن لم أجد شيئًا أميل إليه وأعتصم به إلا أن أبلغ وأطيع فيجيزني الله ، فيجوز نصبه على الاستثناء من ملتحدًا وعلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت