فهرس الكتاب

الصفحة 4039 من 4224

"صفحة رقم 349"

يأتي في المستقبل ويكون صادقًا . وثالثها: أن الكاهنة البغدادية التي نقلها السلطان سنجر بن ملكشاه من بغداد إلى خراسان سألها عن أشياء في المستقبل فأخبرت بها ووقعت على وفق كلامها ، فقد رأيت أناسًا محققين في علوم الكلام والحكمة حكوا عنها أنها أخبرت عن الأشياء الغائبة على سبيل التفصيل وجاءت كذلك ، وبالغ أبو البركات صاحب المعتبر في شرح حالها في كتاب التعبير وقال: فحصت عن حالها منذ ثلاثين سنة حتى تيقنت أنها كانت تخبر عن المغيبات أخبارًا مطابقة موافقة . ورابعها: أنا نشاهد أصحاب الإلهامات الصادقة ، ليس هذا مختصًا بالأولياء ، فقد يوجد في السحرة وفي الأحكام النجومية ما يوافق الصدق ، وإن كان الكذب يقع منهم كثيرًا . وإذا كان ذلك مشاهدًا محسوسًا ، فالقول بأن القرآن يدل على خلافه مما يجر الطعن إلى القرآن ، وذلك بأطل . فقلنا: إن التأويل الصحيح ما ذكرناه . انتهى ، وفيه بعض تلخيص . وإنما أوردنا كلام هذا الرجل في هذه المسألة لننظر فيما ذكر من تلك الوجوه .

أما قصة شق وسطيح فليس فيها شيء من الإخبار بالغيب ، لأنه مما يخبر به رئي الكهان من الشياطين مسترقة السمع ، كما جاء في الحديث: ( إنهم يسمعون الكلمة ويكذبون ويلقون إلى الكهنة ويزيد الكهنة للكلمة مائة كذبة ) . وليس هذا من علم الغيب ، إذ تكلمت به الملائكة ، وتلقفها الجني ، وتلقفها منه الكاهن ؛ فالكاهن لم يعلم الغيب .

وأما تعبير المنامات ، فالمعبر غير المعصوم لا يعبر بذلك على سبيل البت والقطع ، بل على سبيل الحزر والتخمين ، وقد يقع ما يعبر به وقد لا يقع .

وأما الكاهنة البغدادية وما حكي عنها فحسبه عقلًا أن يستدل بأحوال امرأة لم يشاهدها ، ولو شاهد ذلك لكان في عقله ما يجوز أنه لبس عليه هذا ، وهو العالم المصنف الذي طبق ذكره الآفاق ، وهو الذي شكك في دلائل الفلاسفة وسامهم الخسف .

وأما حكايته عن صاحب المعتبر ، فهو يهودي أظهر إسلامه وهو منتحل طريقة الفلاسفة . وأما مشاهدته أصحاب الإلهامات الصادقة ، فلي من العمر نحو من ثلاث وسبعين سنة أصحب العلماء وأتردد إلى من ينتمي إلى الصلاح ، فلم أر أحدًا منهم صاحب إلهام صادق .

وأما الكرامات ، فلا أشك في صدور شيء منها ، لكن ذلك على سبيل الندرة ، وذلك في من سلف من صلحاء هذه الأمة ؛ وربما قد يكون في أعصارنا من تصدر منه الكرامات ، ولله تعالى أن يخص من شاء بما شاء والله الموفق .

الجن: ( 28 ) ليعلم أن قد . . . . .

وقرأ الجمهور: ) لِيَعْلَمَ ( مبنيًا للفاعل . قال قتادة: ليعلم محمد( صلى الله عليه وسلم ) ) أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم وحفظوا . وقال ابن جبير: ليعلم محمد أن الملائكة الحفظة الرصد النازلين بين يدي جبريل وخلفه قد أبلغوا رسالات ربهم . وقال مجاهد: ليعلم من أشرك وكذب أن الرسل قد بلغت ، وعلى هذا القول لا يقع لهم هذا العلم إلا في الآخرة . وقيل: ليعلم الله رسله مبلغة خارجة إلى الوجود ، لأن علمه بكل شيء قد سبق . واختار الزمخشري هذا القول الأخير فقال: ) لِيَعْلَمَ اللَّهُ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالَاتِ رَبّهِمْ (: يعني الأنبياء . وحد أولًا على اللفظ في قوله: ) مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ( ، ثم جمع على المعنى كقوله: ) فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ ( ، والمعنى: ليبلغوا رسالات ربهم كما هي محروسة من الزيادة والنقصان ، وذكر العلم كذكره في قوله ) حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ ). انتهى . وقيل: ) لِيَعْلَمَ( ، أي: أيّ رسول كان أن الرسل سواه بلغوا . وقيل: ليعلم إبليس أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم سليمة من تخليطه وإسراف أصحابه . وقيل: ليعلم الرسل أن الملائكة بلغوا رسالات ربهم . وقيل: ليعلم محمد أن قد بلغ جبريل ومن معه إليه رسالة ربه . وقيل: ليعلم الجن أن الرسل قد بلغوا ما أنزل إليهم ، ولم يكونوا هم المتلقين بإستراق السمع . وقرأ ابن عباس وزيد بن عليّ: ليعلم ، بضم الياء مبنيًا للمفعول ؛ والزهري وابن أبي عبلة: بضم الياء وكسر اللام ، أي ليعلم الله ، أي من شاء أن يعلمه ، أن الرسل قد أبلغوا رسالاته .

وقرأ الجمهور: )رِسَالاتِ ( على الجمع ؛ وأبو حيوة: على الإفراد . وقرأ الجمهور: ) وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ (: وأحاط مبنيًا للفاعل ، أي الله ، ( وَأَحْصَى (: مبنيًا للفاعل ، أي الله كل نصبًا ؛ وابن أبي عبلة: وأحيط وأحصى مبنيًا للمفعول كل رفعًا . ولما كان ليعلم مضمنًا معنى علم ، صار المعنى: قد علم ذلك ، فعطف وأحاط على هذا الضمير ، والمعنى: وأحاط بما عند الرسل من الحكم والشرائع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت