"صفحة رقم 365"
وكيف صح أن يقع يومئذ ظرفًا ليوم عسير ؟ قلت: انتصب إذا بما دل عليه الجزاء ، لأن المعنى: ) فَإِذَا نُقِرَ فِى النَّاقُورِ ( ، عسر الأمر على الكافرين ؛ والذي أجاز وقوع يومئذ ظرفًا ليوم عسير أن المعنى: فذلك وقت النقر وقوع يوم عسير ، لأن يوم القيامة يأتي ويقع حين ينقر في الناقور . ويجوز أن يكون يومئذ مبنيًا مرفوع المحل بدلًا من ذلك ، ويوم عسير خبر ، كأنه قيل: فيوم النقر يوم عسير . فإن قلت: فما فائدة قوله: ) غَيْرُ يَسِيرٍ ( ، وعسير مغن عنه ؟ قلت: لما قال ) عَلَى الْكَافِرِينَ ( فقصر العسر عليهم ، قال ) غَيْرُ يَسِيرٍ ( ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيرًا هينًا ، فيجمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم وبشارة المؤمنين وتسليتهم . ويجوز أن يراد به عسير لا يرجى أن يرجع يسيرًا ، كما يرجى بيسير العسير من أمور الدنيا . انتهى . وقال الحوفي: ) فَإِذَا ( ، إذا متعلقة بأنذر ، أي فأنذرهم إذا نقر في الناقورة ، قال أبو البقاء: يجري على القول الأخفش أن تكون إذا مبتدأ والخبر فذلك والفاء زائدة . فأما يومئذ فظرف لذلك ،
المدثر: ( 10 ) على الكافرين غير . . . . .
وأجاز أبو البقاء أن يتعلق على الكافرين بيسير ، أي غير يسير ، أي غير سهل على الكافرين ؛ وينبغي أن لا يجوز ، لأن فيه تقديم معمول العامل المضاف إليه غير على العامل ، وهو ممنوع على الصحيح ؛ وقد أجازه بعضهم فيقول: أنا بزيد غير راض .
المدثر: ( 11 ) ذرني ومن خلقت . . . . .
( ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(: لا خلاف أنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي ، فروي أنه كان يلقب بالوحيد ، أي لأنه لا نظير له في ماله وشرفه في بيته . والظاهر انتصاب وحيدًا على الحال من الضمير المحذوف العائد على من ، أي خلقته منفردًا ذليلًا قليلًا لا مال له ولا ولد ، فآتاه الله تعالى المال والولد ، فكفر نعمته وأشرك به واستهزأ بدينه . وقيل: حال من ضمير النصب في ذرني ، قاله مجاهد ، أي ذرني وحدي معه ، فأنا أجزيك في الانتقام منه ؛ أو حال من التاء في خلقت ، أي خلقته وحدي لم يشركني في خلقي أحد ، فأنا أهلكه لا أحتاج إلى ناصر في إهلاكه . وقيل: وحيدًا لا يتبين أبوه . وكان الوليد معروفًا بأنه دعي ، كما تقدم في قوله تعالى: ) عُتُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ( ، وإذا كان يدعى وحيدًا ، فلا يجوز أن ينتصب على الذم ، لأنه لا يجوز أن يصدقه الله تعالى في أنه وحيدًا لا نظير له . ورد ذلك بأنه لما لقب بذلك صار علمًا ، والعلم لا يفيد في المسمى صفة ، وأيضًا فيمكن حمله على أنه وحيد في الكفر والخبث والدناءة .
المدثر: ( 12 ) وجعلت له مالا . . . . .
( وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا ( ، قال ابن عباس: كان له بين مكة والطائف إبل وحجور ونعم وجنان وعبيد وجوار . وقيل: كان صاحب زرع وضرع وتجارة . وقال النعمان بن بشير: المال المدود هو الأرض لأنها مدت . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو الريع المستغل مشاهرة ، فهو مد في الزمان لا ينقطع . وقيل: هو مقدار معين واضطربوا في تعيينه . فما قيل: ألف دينار ، وقيل: ألف ألف دينار ، وكل هذا تحكم .
المدثر: ( 13 ) وبنين شهودا
)وَبَنِينَ شُهُودًا (: أي حضورًا معه بمكة لا يظعنون عنه لغناهم فهو مستأنس بهم ، أو شهودًا: أي رجالًا يشهدون معه المجامع والمحافل ، أو تسمع شهادتهم فيما يتحاكم فيه ؛ واختلف في عددهم ، فذكر منهم: خالد وهشام وعمارة ، وقد أسلموا ؛ والوليد والعاصي وقيس وعبد شمس . قال مقاتل: فما زال الوليد بعد هذه الآية وبعد نزولها في نقص في ماله وولده حتى هلك .
المدثر: ( 14 ) ومهدت له تمهيدا
)وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا (: أي وطأت وهيأت وبسطت له بساطًا حتى أقام ببلدته مطمئنًا يرجع إلى رأيه . وقال ابن عباس: وسعت له ما بين اليمن إلى الشام . وقال مجاهد: مهدت له المال بعضه فوق بعض ، كما يمهد الفراش .
المدثر: ( 15 ) ثم يطمع أن . . . . .
( ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (: أي على ما أعطيته من المال والولد .
المدثر: ( 16 ) كلا إنه كان . . . . .
( كَلاَّ(: أي ليس يكون كذلك مع كفره بالنعم . وقال الحسن وغيره: ثم يطمع أن أدخله الجنة ، لأنه كان يقول: إن كان محمدًا صادقًا فما خلقت الجنة إلا لي . ) ثُمَّ يَطْمَعُ ( ، قال الزمخشري: استعباد لطمعه واستنكار ، أي لا مزيد على ما أوتي كثرة وسعة ، ( كَلاَّ(: قطع لرجائه وردع . انتهى . وطمعه في الزيادة دليل على مبشعه وحبه للدنيا . ) إِنَّهُ كان لاْيَاتِنَا عَنِيدًا (: تعليل للرّدع على وجه الاستئناف ، كأن قائلًا قال: لم لا يزاد ؟ فقال إنه كان يعاند آيات المنعم وكفر بذلك ، والكافر لا يستحق المزيد ؛ وإنما جعلت الآيات بالنسبة إلى الأنعام لمناسبة قوله: ) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا ( إلى آخر ما آتاه الله ، والأحسن أن يحمل على آيات القرآن لحديثه في القرآن وزعمه أنه