فهرس الكتاب
"صفحة رقم 319"
بما أعطى ، فيبلغ ذلك المعطى ، فيؤذيه . ومن الأذى أن يسب المعطى ، أو يشتكي منه ، أو يقول: ما أشد إلحاحك ، و: خلصنا الله منك ، و: أنت أبدًا تجيئني ، أو يكلفه الإعتراف بما أسدى إليه . وقيل: الأذى أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحب وقوفه عليه . وقال زيد بن أسلم: إن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه ، تريد وجه الله ، فلا تسلم عليه . وقالت له: امرأة يا أبا اسامة ؟ دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقًا ، فانهم إنما يخرجون الفواكه ، فإن عندي أسهمًا وجيعة . فقال لها: لا بارك الله في أسهمك وجيعتك ، فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم .
( لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ( تقدّم تفسير هذه الجملة فأغنى عن إعادته .
و )الَّذِينَ يُنفِقُونَ ( مبتدأ والجملة من قوله: ) لَهُمْ أَجْرُهُمْ( خبر ، ولم يضمن المبتدأ معنى اسم الشرط ، فلم تدخل الفاء في الخبر ، وكان عدم التضمين هنا لأن هذه الجملة مفسرة للجملة قبلها ، والجملة التي قبلها أخرجت مخرج الشيء الثابت المفروغ منه ، وهو نسبة إنفاقهم بالحبة الموصوفة ، وهي كناية عن حصول الأجر الكثير ، فجاءت هذه الجملة ، كذلك أخرج المبتدأ والخبر فيهما مخرج الشيء الثابت المستقر الذي لا يكاد خبره يحتاج إلى تعليق استحقاق بوقوع ما قبله ، بخلاف ما إذا دخلت الفاء فإنها مشعرة بترتب الخبر على المبتدأ ، واستحقاقه به .
وقيل: )الَّذِينَ يُنفِقُونَ ( خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم الذين ينفقون ) وَلَهُمْ أَجْرَهُمْ ( في موضع الحال ، وهذا ضعيف ، أعنى: جعل لهم أجرهم في موضع الحال ، بل الأولى إذا أعرب: الذين ، خبر مبتدأ محذوف أن يكون: لهم أجرهم ، مستأنفًا وكأنه جواب لمن قال: هل لهم أجر ؟ وعند من أجرهم ؟ فقيل ) لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ( وعطف: بثم ، التي تقتضي المهلة ، لأن من أنفق في سبيل الله ظاهر ألاَّ يحصل منه غالبًا المنّ والأذى ، بل إذا كانت بنية غير وجه الله تعالى ، لا يمنّ ولا يؤذي على الفور ، فذلك دخلت: ثم ، مراعاة للغالب . وإن حكم المن والأذى المعتقبين للإنفاق ، والمقارنين له حكم المتأخرين .
وقال الزمخشري: ومعنى: ثم ، إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى ، وأن تركهما خير من نفس الإنفاق ، كما جعل الإستقامة على الإيمان خيرًا من الدخول فيه بقوله: )ثُمَّ اسْتَقَامُواْ( انتهى كلامه .
وقد تكرر للزمخشري ادعاء هذا المعنى لثم ، ولا أعلم له في ذلك سلفًا ، وقد تكلمنا قبل هذا معه في هذا المعنى ، و: ما ، من )مَّا أَنفَقُواْ ( موصول عائده محذوف ، أي: أنفقوه ، ويجوز أن تكون مصدرية ، أي: إنفاقهم ، وثم محذوف ، أي: منًّا على المنفق عليه ، ولا أذى له ، وبعد ما قاله بعضهم من أن ولا أذى من صفة المعطي ، وهو مستأنف ، وكأنه قال: الذين ينفقون ولا يمنون ولا يتأذون بالإنفاق ، وكذلك يبعد ما قاله بعضهم من أن قوله: ) وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ( لا يراد به في الآخرة ، وأن المعنى: إن حق المنفق في سبيل الله أن يطيب به نفسه ، وأن لا يعقبه المن ، وأن لا يشفق من فقر يناله من بعد ، بل يثق بكفاية الله ولا يحزن إن ناله فقر .
البقرة: ( 263 ) قول معروف ومغفرة . . . . .
( قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ( أي: ردّ جميل من المسؤول ، وعفو من السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول من إلحاح أو سب أو تعريض بسبب ، كما يوجد في كثير من المستعطين ، وقيل: معنى و: مغفرة ، أي: نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل . وقيل: ومغفرة ، أي عفو من جهة السائل ، لأنه إذا رده ردًّا جميلًا عذره . وقيل: قول معروف ، هو الدعاء والتأسي والترجئة بما عند الله ، وقيل: الدعاء لأخيه بظهر الغيب ، وقيل: الأمر بالمعروف خير ثوابًا عند الله من صدقة يتبعها أذى . وقيل: التسبيحات والدعاء والثناء والحمد لله والمغفرة ، أي: الستر على نفسه والكف عن إظهار ما ارتكب من المآثم خير ، أي: أخف على البدن من صدقة يتبعها أذى . وقيل: المغفرة الاقتصار على القول الحسن ، وقيل: المغفرة أن يسأل الله الغفران لتقصير في عطاء وسدّ خلة ، وقيل: المغفرة هنا ستر خلة المحتاج ، وسوء حاله . قاله ابن جرير ، وقيل ، لأعرابي سأل بكلام فصيح ، ممن الرجل ؟