فهرس الكتاب

الصفحة 896 من 4224

"صفحة رقم 323"

تفاوت ما بين الضدّين ، وهذا من بديع أساليب فصاحة القرآن . ولما وصف صاحب النفقة بوصفين ، قابل ذلك هنا بوصفين ، فقوله: ) ابْتِغَاء مَرْضَاتَ اللَّهِ ( مقابل لقوله: ) رِئَاء النَّاسِ ( وقوله: ) وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ ( مقابل لقوله: ) وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ ( لأن المراد بالتثبيت توطين النفس على المحافظة عليه وترك ما يفسده ، ولا يكون إلاَّ عن يقين بالآخرة . والتقادير الثلاثة التي في قوله: ) مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ ( جارية هنا ، أي: ومثل المنافقين كمثل غارس حبة ، أو: مثل نفقتهم كحبة ، أو: مثل المنفقين ونفقتهم كمثل حبة وغارسها . وجوّزوا في: ابتغاء أن يكون مصدرًا في موضع الحال . أي: مبتغين ، وأن يكون مفعولًا من أجله ، وكذلك: وتثبيتًا .

قال ابن عطية: ولا يصح أن يكون ابتغاء مفعولًا من أجله ، لعطف ، وتثبيتًا عليه ، ولا يصح في: وتثبيتًا أنه مفعول من أجله ، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت .

وقال مكي في ( المشكل ) : كلاهما مفعول من أجله ، وهو مردود بما بيناه . إنتهى كلامه .

وتثبيت ، مصدر: ثبت ، وهو متعد ، ويحتمل أن يكون المفعول محذوفًا تقديره الثواب من الله تعالى ، أي: وتثبيتًا وتحصيلًا من أنفسهم الثواب على تلك النفقة ، فيكون إذ ذاك تثبيت الثواب وتحصيله من الله حاملًا على الإنفاق في سبيل الله . ومن قدر المفعول غير ذلك أي: وتثبيتًا من أنفسهم أعمالهم بإخلاص النية ، وجعله من أنفسهم على أن تكون: من ، بمعنى: اللام ، أي: لأنفسهم ، كما تقول: فعلت ذلك كسرًا من شهوتي ، أي: لشهوتي ، فلا يتضح فيه أن ينتصب على المفعول له . قال الشعبي ، وقتادة ، والسدي ، وأبو صالح ، وابن زيد: معناه وتيقنًا ، أي: أن نفوسهم لها بصائر متأكدة ، فهي تثبتهم على الإنفاق ويؤكده قراءة من قرأ: أو تبيينًا من أنفسهم ، وقال قتادة أيضًا: وأحتسابًا من أنفسهم . وقال الشعبي أيضًا والضحاك ، والكلبي: وتصديقًا ، أي: يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم . وقال ابن جبير ، وأبو مالك: تحقيقًا في دينهم . وقال إبن كيسان: إخلاصًا وتوطيدًا لأنفسهم على طاعة الله في نفقاتهم . وقال الزجاج: ومقرين حين ينفقون أنها مما يثيب الله عليها . وقال الشعبي أيضًا: عزمًا . وقال يمان أيضًا: بصيرة . وقال مجاهد ، والحسن: معناه أنهم يثبتون ، أي يضعون صدقاتهم . قال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة يتثبت ، فإن كان ذلك لله أمضاه ، وإن خالطه شك أمسك .

وقد أجاز بعض المصريين أن يكون قوله: وتثبيتًا . بمعنى: تثبتًا ، فيكون لازمًا . قال: والمصادر قد تختلف ، ويقع بعضها موقع بعض ، ومنه قوله: ) وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ( أي تبتلًا وردّ هذا القول بأن ذلك لا يكون بالفعل المتقدّم على المصدر نحو الآية ، أما أن يأتي بالمصدر من غير بنائه على فعل مذكور فلا يحمل على غير فعله الذي له في الأصل ، تقول: إن ثبت فعل لازم معناه: تمكن ، ورسخ ، وتحقق . وثبت معدى بالتضعيف ، ومعناه: مكن ، وحقق . قال ابن رواحة يخاطب رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ): فثبَّت الله ما آتاك من حسن

تثبيت عيسى ونصرًا كالذي نصروا

فالمعنى ، والله أعلم ، أنهم يثبتون من أنفسهم على الإيمان بهذا العمل الذي هو إخراج المال الذي هو عديل الروح في سبيل الله ابتغاء رضًا ، لأن مثل هذا العمل شاق على النفس ، فهم يعملون لتثبيت النفس على الإيمان ، وما ترجو من الله بهذا العمل الصعب ، لأنها إذا ثبتت على الأمر الصعب انقادت وذلت له .

وإذا كان التثبيت مسندًا إليهم كانت: من ، في موضع نصب متعلقة بنفس المصدر ، وتكون للتبعيض ، مثلها في: هزّ من عطفه ، و: حرك من نشاطه ، وإن كان التثبيت مسندًا في المعنى إلى أنفسهم كانت: من ، في موضع نصب أيضًا صفة للمصدر تقديره: كائنًا من أنفسهم .

قال الزمخشري

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت