فهرس الكتاب

الصفحة 895 من 4224

"صفحة رقم 322"

صَدَقَاتِكُم ( من أن الصدقة وقعت صحيحة ثم بطلت بالمنّ والأذى ، وتقدّم القول بأن المعنى: لا توقعوها باطلة ، ويدل على هذا المعنى التشبيه بقوله: كالذي ينفق ، فان نفقته وقعت باطلة لمقارنة الكفر لها ، فيمتنع دخولها صحيحة في الوجود .

وأما التمثيل الثاني فإنه عند عبد الجيار وأصحابه ، جعل الوابل مزيلًا لذلك التراب بعد كينونته عليه ، فكذلك المنّ والأذى مزيلان للأجر بعد حصول استحقاقه ، وعند غيرهم أن المشبه بالتراب الواقع على الصفوان هو الصدقة المقترنة بالنية الفاسدة التي لولاها لكانت الصدقة مرتبًا عليها حصول الأجر والثواب . قيل: والحمل على هذا المعنى أولى ، لأن التراب إذ وقع على الصفوان لم يكن ملتصقًا به ، ولا غائضًا فيه ، فهو في مرأى العين متصل ، وفي الحقيقة منفصل . فكذا الإنفاق المقرون بالمنّ والأذى ، يرى في الظاهر أنه عمل بر وفي الحقيقة ليس كذلك ، وعلى هذين القولين يكون التقدير: لا تبطلوا أجور صدقاتكم ، أو: لا تبطلوا أصل صدقاتكم .

وقرأ ابن المسيب ، والزهري: صفوان بفتح الفاء ، قيل: وهو شاذ في الأسماع . إنما بابه المصادر: كلغليان والتروان ، وفي الصفات نحو: رجل صيحان ، وتيس عدوان .

وارتفع تراب على الفاعلية ، أي: استقر عليه تراب ، فأصابه وابل . و: فأصابه ، معطوف على ذلك الفعل الرافع للتراب ، والضمير في: فأصابه ، عائد على الصفوان ، ويحتمل أن يعود على التراب ، وفي: فتركه ، عائد على الصفوان . وهذه الجملة جعل فيها العمل الظاهر: كالتراب ، والمانّ المؤذي ، أو المنافق كالصفوان ، ويوم القيامة كالوابل ، وعلى قول المعتزلة: المنّ والأذى كالوابل .

وقال القفال: وفيه احتمال آخر ، وهو أن أعمال العباد ذخائر لهم يوم القيامة ، فمن عمل بإخلاص فكأنه طرح بذرًا في أرض طيبة ، فهو يتضاعف له وينمو ، ألا ترى أنه ضرب المثل في ذلك بجنة فوق ربوة ؟ فهو يجده وقت الحاجة إليه . وأما المان والمؤذي والمنافق ، فكمن بذر في الصفوان لا يقبل بذرًا ولا ينمو فيه شيء ، عليه غبار قليل أصابه جود فبقي مستودع بذر خاليًا ، فعند الحاجة إلى الزرع لا يجد فيه شيئًا . إنتهى ما لخص من كلامه . وحاصله: أن التشبيه انطوى من حيث المعنى على بذر وزرع .

( لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ( اختلف في الضمير في: يقدرون ، فقيل: هو عائد على المخاطبين في قوله: ) لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم ( ويكون من باب الالتفات ، إذ هو رجوع من خطاب إلى غيبة ، والمعنى: أنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على الانتفاع بشيء مما كسبتم ، وهذا فيه بعد . وقيل: هو عائد على ) الَّذِى يُنفِقُ ( لأن: كالذي جنس ، فلك أن تراعي لفظه كما في قوله: ) يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ ( فأفرد الضمير ، ولك أن تراعي المعنى ، لأن معناه جمع ، وصار هذا ) كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ( ثم قال: ) ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ).

قال ابن عطية: وقد انحمل الكلام قبل على لفظ: الذي ، وهذا هو مهيع كلام العرب ، ولو انحمل أولًا على المعنى لقبح بعد أن يحمل على اللفظ . إنتهى كلامه .

وقد تقدّم لنا الكلام معه في شيء من هذا ، وفي الحمل على اللفظ أو المعنى تفصيل لا يوجد إلاَّ في مبسوطات النحو .

وقيل: هو عائد على معلوم غير مذكور المعنى لا يقدر أحد من الخلق على الانتفاع بذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي على الصفوان ، لأنه زال ذلك التراب وزال ما كان فيه ، فكذلك المان والمؤذي والمنافق ، لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة . وقيل: هو عائد على المرائي الكافر أو المنافق ، أو على المان ، أي: لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم ، وهو كسبهم ، عند حاجتهم إليه ، وعبروا عن النفقة بالكسب لأنهم قصدوا بها الكسب ، وهذا كقوله تعالى: ) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ( وقوله: ) أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ( الآية . وقوله: ) أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ( ويكفي من ذكر العمل لغير وجه الله حديث الثلاثة الذين هم أوّل الناس يقضى عليه يوم القيامة ، وهو: المستشهد والعالم والجواد .

( وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( يعني الموافقين على الكفر ، ولا يهديهم في كفرهم بل هو ضلال محض . أو: لا يهديهم في أعمالهم ، هم على الكفر ، وفي هذا ترجح لمن قال: إن ضرب المثل عائد على الكافر .

البقرة: ( 265 ) ومثل الذين ينفقون . . . . .

( وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتَ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ( لما ضرب مثل: من أنفق ماله رئاء الناس وهو غير مؤمن ، ذكر ضدّه بتمثيل محسوس للذهن ، حتى يتصوّر السامع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت