فهرس الكتاب

الصفحة 894 من 4224

"صفحة رقم 321"

يتبعها ، لأن الأذى يشمل المن وغيره كما قلنا .

( وَاللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ ( أي غني عن الصدقة ، حليم بتأخر العقوبة ، وقيل: غني لا حاجة به إلى منفق يمن ويؤذي ، حليم عن معاجلة العقوبة . وهذا سخط منه ووعيد .

البقرة: ( 264 ) يا أيها الذين . . . . .

( يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنّ وَالاْذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ( لما شرط في الإنفاق أن لا يتبع منًا ولا أذىً ، لم يكتفِ بذلك حتى جعل المن والأذى مبطلًا للصدقة ، ونهى عن الإبطال بهما ليقوي اجتناب المؤمن لهما ، ولذلك ناداهم بوصف الإيمان . ولما جرى ذكر المن والأذى مرتين ، أعادهما هنا بالألف واللام ، ودلت الآية على أن المن والأذى مبطلان للصدقة ، ومعنى إبطالهما أنه لا ثواب فيها عند الله . والسدي يعتقد أن السيئات لا تبطل الحسنات ، فقال جمهور العلماء: الصدقة التي يعلم الله من صاحبها انه يمن ويؤذى لا تتقبل ، وقيل: جعل الله للملك عليها إمارة ، فهو لا يكتبها إذ نيته لم تكن لوجه الله .

ومعنى قوله: )لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم ( أي: لا تأتوا بهذا العمل باطلًا ، لأنه إذا اقصد به غير وجه الله فقد أتى به على جهة البطلان . وقال القاضي عبد الجبار: معلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدّمت ، فلا يصح أن تبطل . فالمراد إذن إبطال أجرها ، لأن الأجر لم يحصل بعد ، وهو مستقبل ، فيصير إبطاله بما يأتيه من المن والأذى . إنتهى كلامه .

والمعنيان تحملهما الآية ، ولتعظيم قبح المن أعاد الله ذلك في معارض الكلام ، فأثنى على تاركه أولًا وفضل المنع على عطية يتبعها المن ثانيًا . وصرح بالنهي عنها ثالثًا ، وخص الصدقة بالنهي إذ كان المن فيها أعظم وأشنع . والظاهر أن قوله: بالمن ، معناه على الفقير ، وهو قول الجمهور .

وقال ابن عباس: بالمن على الله تعالى بسبب صدقته ، والأذى للسائل . و: الكاف ، قيل في موضع نعت لمصدر محذوف تقديره إبطالًا ، كابطال صدقة الذي ينفق ، وقيل: الكاف في موضع الحال ، أي: لا تبطلوا مشبهين الذي ينفق ماله بالرياء .

وفي هذا المنفق قولان:

أحدهما: أنه المنافق ، ولم يذكر الزمخشري غيره ينفق للسمعة وليقال إنه سخي كريم ، هذه نيته ، لا ينفق لرضا الله . وطلب ثواب الآخرة ، لأنه في الباطن لا يؤمن بالله واليوم الآخر .

وقيل: المراد به الكافر المجاهر ، وذلك بإنفاقه لقول الناس: ما أكرمه وأفضله ولا يريد بإنفاقه إلاَّ الثناء عليه ، ورجح مكي القول الأول بأنه أضاف إليه الرياء ، وذلك من فعل المنافق الساتر لكفره ، وأما الكافر فليس عنده رياء لأنه مناصب للدّين مجاهر بكفره .

وانتصاب رئاء على أنه مفعول من أجله ، أو مصدر في موضع الحال .

وقرأ طلحة بي مصرف: رياءً بابدال الهمزة الأولى ياءً لكسر ما قبلها ، وهي مروية عن عاصم .

( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا( هذا تشبيه ثان ، واختلف في الضمير في قوله: ) فَمَثَلُهُ ( فأظاهر أنه عائد على ) الَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ ( لقربه منه ، ولإفراده ضرب الله لهذا المنافق المرائي ، أو الكافر المباهي ، المثل بصفوان عليه تراب ، يظنه الظان أرضًا منبتة طيبة ، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب ، فيبقى صلدًا منكشفًا ، وأخلف ما ظنه الظان ، كذلك هذا المنافق يرى الناس أن له أعمالًا كما يُرى التراب على هذا الصفوان ، فإذا كان يوم القيامة اضمحلت وبطلت ، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب . وقيل: الضمير في ) فَمَثَلُهُ( عائد على المانِّ المؤذي ، وأنه شبه بشيئين أحدهما: بالذي ينفق ماله رئاء الناس ، والثاني: بصفوان عليه تراب ، ويكون قد عدل من خطاب إلى غيبة ، ومن جمع إلى افراد .

قال القاضي عبد الجبار: ذكر تعالى لكيفية إبطال الصدقة بالمنّ والأذى مثلين ، فمثله أولًا بمن ينفق ماله رئاء الناس ، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، لأن إبطال نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها بالمنّ والأذى . ثم مثله ثانيًا بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار . ثم إذا أصابه المطر القوي فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما عليه تراب ولا غبار أصلًا ، قال: فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان ، فكذا المنّ والأذى يجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله ، وذلك صريح القول في الإحاطة والتكفير . إنتهى كلامه . وهو مبني على ما قدّمناه عنه في القول في الإحباط والتكفير في قوله: )لاَ تُبْطِلُواْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت