فهرس الكتاب

الصفحة 921 من 4224

"صفحة رقم 348"

المصروع . إنتهى .

وكان قد قدم في شرح المس أنه الجنون ، وهو الذي ذهب إليه في تعلق: من المس ، بقوله: لا يقومون ، ضعيف لوجهين:

أحدهما: أنه قد شرح المس بالجنون ، وكان قد شرح أن قيامهم لا يكون إلاَّ في الآخرة ، وهناك ليس بهم جنون ولا مس ، ويبعد أن يكنى بالمس الذي هو الجنون عن أكل الربا في الدينا ، فيكون المعنى: لا يقومون يوم القيامة . أو من قبورهم من أجل أكل الربا إلاَّ كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ، إذ لو أريد هذا المعنى لكان التصريح به أولى من الكناية عنه بلفظ المس ، إذ التصريح به أبلغ في الزجر والردع .

والوجه الثاني: أن: ما ، بعد: إلاَّ ، لا يتعلق بما قبلها ، إلاَّ إن كان في حيز الاستثناء ، وهذا ليس في حيز الاستثناء ، ولذلك منعوا أن يتعلق ) بِالْبَيّنَاتِ وَالزُّبُرِ ( بقوله: ) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا ( وان التقدير: ما أرسلنا بالبينات والزبر إلاَّ رجالًا .

( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ ( الإشارة بذلك إلى ذلك القيام المخصوص بهم في الآخرة ، ويكون مبتدأ ، والمجرور الخبر ، أي: ذلك القيام كائن بسبب أنهم ، وقيل: خبر مبتدأ محذوف تقديره: قيامهم ذلك إلاَّ أن في هذا الوجه فصلًا بين المصدر ومتعلقه الذي هو: بأنهم ، على أنه لا يبعد جواز ذلك لحذف المصدر ، فلم يظهر قبح بالفصل بالخبر ، وقدّره الزمخشري: ذلك العقاب بسبب أنهم ، والعقاب بسبب أنهم ، والعقاب هو ذلك القيام ، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى أكلهم الربا ، أي ذلك الأكل الذي استحلوه بسبب قولهم واعتقادهم أن البيع مثل الربا ، أي: مستندهم في ذلك التسوية عندهم بين الربا والبيع ، وشبهوا البيع وهو المجمع على جوازه بالربا وهو محرم ، ولم يعكسوا تنزيلًا لهذا الذي يفعلونه من الربا منزلة الأصل المماثل له البيع ، وهذا من عكس التشبيه ، وهو موجود في كلام العرب . قاله ذو الرمّة:

ورمل كأروال العذارى قطعته

وهو كثير في أشعار المولدين ، كما قال أبو القاسم بن هانيء: كأن ضياء الشمس غرّة جعفر

رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفًا

وكان أهل الجاهلية إذا حل دينه على غريمه طالبه ، فيقول: زدني في الأجل وأزيدك في المال ، فيفعلان ذلك ويقولان: سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح ، أو عند المحل لأجل التأخير ، فكذبهم الله تعالى . وقيل: كانت ثقيف أكثر العرب ربًا ، فلما نهوا عنه قالوا: إنما هو مثل البيع .

( الرّبَوااْ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرّبَوااْ ) . ظاهره أنه من كلام الله تعالى لا من كلامهم ، وفي ذلك ردّ عليهم إذ ساووا بينهما ، والحكم في الأشياء إنما هو إلى الله تعالى ، لا يعارض في حكمه ولا يخالف في أمره ، وفي هذه الآية دلالة على أن القياس في مقابلة النص لا يصح ، إذ جعل الدليل في إبطال قولهم هو: أن الله أحل البيع وحرم الربا . وقال بعض العلماء: قياسهم فاسد ، لأن البيع عوض ومعوض لا غبن فيه ، والربا فيه التغابن وأكل المال البطل ، لأن الزيادة لا مقابل لها من جنسها ، بخلاف البيع ، فإن الثمن مقابل بالمثمن . .

قال جعفر الصادق: حرم الله الربا ليتقارض الناس ، وقيل: حرم لأنه متلف للأموال ، مهلك للناس . وقال بعضهم: يحتمل أن يكون: ) وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرّبَوااْ ( من كلامهم ، فكانوا قد عرفوا تحريم الله الربا فعارضوه بآرائهم ، فكان ذلك كفرًا منهم .

والظاهر: عموم البيع والربا في كل بيع ، وفي كل ربا ، إلاَّ ما خصه الدليل من تحريم بعض البيوع وإحلال بعض الربا ، وقيل: هما مجملان ، فلا يقدّم على تحليل بيع ولا تحريم ربا إلاَّ ببيان ، وهذا فرق ما بين العام والمجمل ، وقيل: هو عموم دخله التخصيص ، ومجمل دخله التفسير ، وتقاسيم البيع والربا وتفاصيلهما مذكور في كتب الفقه .

والظاهر أن الآية كما قالوا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت