فهرس الكتاب

الصفحة 944 من 4224

"صفحة رقم 371"

إشعار بالمجازاة للفاسق والمتقي ، وأعيد لفظ الله في هذه الجمل الثلاث على طريق تعظيم الأمر ، جعلت كل جملة منها مستقلة بنفسها لا تحتاج إلى ربط بالضمير ، بل اكتفي فيها بربط حرف العطف ، وليست في معنى واحد ، فالأولى: حث على التقوى ، والثانية: تذكر بالنعم ، والثالثة: تتضمن الوعد والوعيد . وقيل: معنى الآية الوعد ، فإن من اتقى علمه الله ، وكثيرًا ما يتمثل بهذه بعض المتطوعة من الصوفية الذين يتجافون عن الاشتغال بعلوم الشريعة ، من الفقه وغيره ، إذا ذكر له العلم ، والاشتغال به ، قالوا: قال الله: واتقوا الله ويعلمكم الله ، ومن أين تعرف التقوى ؟ وهل تعرف إلاَّ بالعلم ؟ .

البقرة: ( 283 ) وإن كنتم على . . . . .

( وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ) . مفهوم الشرط يقتضي امتناع الاستيثاق بالرهن ، وأخذه في الحضر ، وعند وجدان الكاتب ، لأنه تعالى علق جواز ذلك على وجود السفر وفقدان الكاتب ، وقد ذهب مجاهد ، والضحاك: إلى أن الرهن والائتمان إنما هو في السفر ، وأما في الحضر فلا ينبغي شيء من ذلك ، ونقل عنهما أنهما لا يجوزان الارتهان إلاَّ في حال السفر ، وجمهور العلماء على جواز الرهن في الحضر ، ومع وجود الكاتب ، وأن الله تعالى ذكر السفر على سبيل التمثيل للإعذار ، لأنه مظنة فقدان الكاتب ، وإعواز الإشهاد ، فأقام التوثق بالرهن مقام الكتابة والشهادة ، ونبه بالسفر على كل عذر ، وقد يتعذر الكاتب في الحضر ؛ كأوقات الاشتغال والليل وقد صح أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) رهن درعه في الحضر ، فدل ذلك على أن الشرط لا يراد مفهومه .

وقرأ الجمهور: كاتبًا ، على الإفراد وقرأ أبي ، ومجاهد ، وأبو العالية: كاتبًا على أنه مصدر ، أو جمع كاتب . كصاحب وصحاب . ونفي الكاتب يقتضي نفي الكتابة ، ونفي الكتابة يقتضي أيضًا نفي الكتب .

وقرأ ابن عباس والضحاك: كتابًا ، على الجمع اعتبارًا بأن كل نازلة لها كاتب ، وروي عن أبي العالية: كتبًا جمع كتاب ، وجمع اعتبارًا بالنوازل أيضًا .

وقرأ الجمهور: فرهان ، جمع رهن نحو: كعب وكعاب . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو: فرهن ، بضم الراء والهاء . وروي عنهما تسكين الهاء . وقرأ بكل واحدة منهما جماعة غيرهما ، فقيل: هو جمع رهان ، ورهان جمع رهن ، قاله الكسائي ، والفراء . وجمع الجمع لا يطرد عند سيبويه ، وقيل: هو جمع رهن ، كسقف ، ومن قرأ بسكون الهاء فهو تخفيف من رهن ، وهي لغة في هذا الباب ، نحو: كتب في كتب ، واختاره أبو عمرو بن العلاء وغيره ، وقال أبو عمرو بن العلاء: لا أعرف الرهان إلاَّ في الخيل لا غير ، وقال يونس: الرهن والرهان عربيان ، والرهن في الرهن أكثر ، والرهان في الخيل أكثر . انتهى . وجمع فعل على فعل قليل ، ومما جاء فيه: رهن قول الأعشى: آليت لا يعطيه من أبنائنا

رهنًا فيفسدهم كرهن أفسدا

وقال بكسر: رهن ، على أقل العدد لم أعلمه جاء ، وقياسه: أفعل ، فكأنهم استغنوا بالكثير عن القليل . انتهى .

والظاهر من قوله: مقبوضة ، اشتراط القبض . وأجمع الناس على صحة قبض المرتهن ، وقبض وكيله ، وإما قبض عدل يوضع الرهن على يديه ، فقال الجمهور به وقال عطاء ، وقتادة ، والحكم ، وابن أبي ليلى: ليس بقبض ، فإن وقع الرهن بالإيجاب والقبول ، ولم يقع القبض ، فالظاهر من الآية أنه لا يصح إلاَّ بالقبض ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ، وقالت المالكية: يلزم الرهن بالعقد ، ويجبر الراهن على دفع الرهن ليحوزه المرتهن ، فالقبض عند مالك شرط في كمال فائدته ، وعند أبي حنيفة والشافعي شرط في صحته ، وأجمعوا على أنه لا يتم إلاَّ بالقبض .

واختلفوا في استمراره ، فقال مالك: إذا ردّه بعارية أو غيرها بطل وقال أبو حنيفة: إن ردّه بعارية أو وديعة لم يبطل . وقال الشافعي: يبطل برجوعه إلى يد الراهن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت