فهرس الكتاب

الصفحة 967 من 4224

"صفحة رقم 394"

وصف بأنه حق في نفسه ، قبلوه أو لم يقبلوه ، وأما التوراة والإنجيل فهم يعتقدون صحتهما ، فلذلك اختصا في الذكر بالهدى .

قال ابن عطية: قال هنا للناس ، وقال في القرآن هدى للمتقين ، لأن هذا خبر مجرّد ، و: هدى للمتقين ، خبر مقترن به الاستدعاء ، والصرف إلى الإيمان ، فحسنت الصفة ليقع من السامع النشاط والبدار ، وذكر الهدى الذي هو إيجاد الهداية في القلب ، وهنا إنما ذكر الهدى الذي هو الدعاء ، أو الهدى الذي هو في نفسه معدٌّ أن يهتدي به الناس ، فسمي هدى بذلك .

قال ابن فورك: التقدير هنا: هدى للناس المتقين ، ويرد هذا العام إلى ذلك الخاص ، وفي هذا نظر . انتهى كلام ابن عطية . وملخصه: أنه غاير بين مدلولي الهدى ، فحيث كان بالفعل ذكر المتقون ، وحيث كان بمعنى الدعاء ، أو بمعنى أنه هدى في ذاته ، ذكر العام .

وأما الموضعان فكلاهما خبر لا فرق في الخبرية بين قوله ) ذالِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ( وبين قوله: ) وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لّلنَّاسِ ).

)وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ ( الفرقان: جنس الكتب السماوية ، لأنها كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل ، من كتبه أو من هذه الكتب ، أو أراد الكتاب الرابع ، وهو الزبور . كما قال تعالى: ) وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُورًا( أو الفرقان: القرآن ، وكرر ذكره بما هو نعت له ومدح من كونه فارقًا بين الحق والباطل ، بعدما ذكره باسم الجنس تعظيمًا لشأنه ، واظهارًا لفضله . واختار هذا القول الأخير ابن عطية . قال محمد بن جعفر: فرق بين الحق والباطل في أمر عيسى عليه السلام الذي جادل فيه الوفد . وقال قتادة ، والربيع ، وغيرهما: فرق بين الحق والباطل في أحكام الشرائع ، وفي الحلال والحرام ، ونحوه وقيل: الفرقان: كل أمر فرق بين الحق والباطل فيما قدم وحدث ، فدخل في هذا التأويل: طوفان نوح ، وفرق البحر لغرق فرعون ، ويوم بدر ، وسائر أفعال الله المفرقة بين الحق والباطل وقيل: الفرقان: النصر . وقال الرازي: المختار أن يكون المراد بالفرقان هنا المعجزات التي قرنها الله بالإنزال هذه الكتب ، لأنهم إذا ادعو أنها نازلة من عند الله افتقروا إلى ، تصحيح دعواهم بالمعجزات ، وكانت هي الفرقان ، لأنها تفرق بين دعوى الصادق والكاذب ، فلما ذكر أنه أنزلها ، أنزل معها ما هو الفرقان . وقال ابن جرير: أنزل بإنزال القرآن الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب وأهل الملل . وقيل: الفرقان: هنا الأحكام التي بينها الله ليفرق بها بين الحق والباطل .

فهذه ثمانية أقوال في تفسير الفرقان . والفرقان مصدر في الأصل ، وهذه التفاسير تدل على أنه أريد به اسم الفاعل ، أي: الفارق ، ويجوز أن يراد به المفعول أي: المفروق . قال تعالى: )وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ).

)إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ( لما قرر تعالى أمر الإلهية ، وأمر النبوّة بذكر الكتب المنزلة ، توعد من كفر بآيات الله من كتبه المنزلة ، وغيرها ، بالعذاب الشديد من عذاب الدنيا ، كالقتل ، والأسر . والغلبة ، وعذاب الآخرة: كالنار .

و )الَّذِينَ كَفَرُواْ ( عام داخل فيه من نزلت الآيات بسببهم ، وهم نصارى وفد نجران . وقال النقاش: إشارة إلى كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ، وبني أخطب وغيرهم .

( وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ( أي: ممتنع أو غالب لم لا يغلب ، أو منتصر ذو عقوبة ، وقد تقدّم أن الوصف: بذو ، أبلغ من الوصف بصاحب ، ولذلك لم يجيء في صفات الله صاحب ، وأشار بالعزة إلى القدرة التامة التي هي من صفات الذات ، وأشار بذي انتقام ، إلى كونه فاعلًا للعقاب ، وهي من صفات الفعل .

قال الزمخشري: )ذُو انتِقَامٍ ( له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم . انتهى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت