فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته وبايعه أهله كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب.
ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته ولا الدخول تحت ولايته لتباعد الأقطار فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها، أو: سلطانها ولا يُدرى من قام منه، أو: مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذا تكليف بما لا يطاق.
وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد ...
فاعرف هذا، فإنه المناسب للقواعد الشرعية والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار ومن أنكر هذا فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها"اهـ (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار) (4/ 512) ."
وليت القوم أمعنوا النظر بكلام الشوكاني-رحمه الله تعالى-فإن فحواه موجه لهذه القضية في ضرورة مراعاة واقع المسلمين في العصور المتأخرة.
من ذلك قول العلامة ابن الأزرق المالكي قاضي القدس في كتابه: (بدائع السلك في طبائع الملك) (1/ 76 - 77) ط: العراق، تحقيق الدكتور علي النشار):(إن شرط وحدة الإمام بحيث لا يكون هناك غيره لا يلزم مع تعذر الإمكان.
قال ابن عرفة-فيما حكاه الأُبِّيُّ عنه-: فلو بعُد موضع الإمام حتى لا ينفذ حكمه في بعض الأقطار البعيدة؛ جاز نصب غيره في ذلك القطر، وللشيخ علم الدين-من علماء العصر بالديار المصرية-: يجوز ذلك للضرورة ... )اهـ.
وقد حكى العلامة ابن كثير الخلاف في هذه المسألة وذكر قول الجمهور القائلين بعدم الجواز ثم قال: (وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار واتسعت الأقاليم بينهما وتردد إمام الحرمين في ذلك.