الصفحة 54 من 89

قال تعالى: {أو ننسئها} [1] فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليست كذلك بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقتٍ ما لعلة توجب ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدًا، وإلى هذا أشار الشافعي في الرسالة إلى النهي عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة ثم ورد الإذن فيها فلم يجعله منسوخًا بل: من باب زوال الحكم لزوال علته حتى لو فجأ أهل ناحية جماعة مضرورون تعلق بأهلها النهي، ومن هذا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} الآية، كان ذلك في ابتداء الأمر فلما قوي الحال وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمقاتلة عليه ثم لو فرض وقوع الضعف كما أخبر النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-في قوله: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ) [2] عاد الحكم).

وممن جلى هذه القضية بوضوح الأستاذ سيد قطب-رحمه الله تعالى- [3] حيث بين هذه المرحلية و جمع بين هذه القضية والهدف الغائي من الجهاد في جمع بين الواقعية و المثالية حيث يقول في: (ظلال القرآن) (3/ 1580) :

(1) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (سورة البقرة، رقم الآية:106، وقد ذكر الحافظ السيوطي في:(الإتقان في علوم القرآن) (4/ 1438) تحقيق: مركز الدراسات القرآنية: أن الْمُنسَأ هو الأمر بالقتال إلى أن يَقْوَى المسلمون، وفي حال الضعف يكون وجوب الصبر على الأذى، وبهذا يَضْعُف ما لَهَجَ به كثيرون من أن الآيات في ذلك منسوخة بآية السيف، وليس كذلك، بل: هو من الْمُنسَأ، معنى: أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما، لِعلةٍ تقتضي ذلك الحكمَ، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخرَ وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة للحكم، حتى لا يجوزَ امتثاله ... ).

(2) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي خرجته بتوسع في كتابي: (كيف تصير عالمًا في زمن النت؟) (ص:455/وما بعدها) وهذا ملخصه: (رواه مسلم في:(صحيحه) (1 - كتاب الإيمان، 65 - باب: بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا. 1/ 130/رقم:145/ 3986 - وابن ماجه في:(سننه) 36 - كتاب الفتن، 15 - باب: بدأ الإسلام غريبًا. 2/ 1319/1320/رقم:3986 - وأحمد في مواضع كثيرة من (مسنده) (2/ 389) ، أو:3/ 157/رقم:1604/ و6/ 325/رقم:3784/و11/ 644/و15/ 22/و27/ 237 - مؤسسة الرسالة-وابن منده في: (الإيمان) 80 - ذكر ابتداء الإسلام والإيمان وتغربه 2/ 520/521/رقم:422/ 423).

وللتوسع في تخريجه أكثر انظر: (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (3/ 267/إلى:270/رقم:1273) ، و (الغرباء الأولون) (1/ 28/29/ 30/رقم:2) للشيخ سلمان بن فهد العودة، و (جامع بيان العلم وفضله) (2/ 996/997/رقم:1900/ 1901/1902) انتهى من هامش: (نشر الإعلام بمروق الكرفطي من الإسلام) (ص:19/ 20) لفضيلة شيخنا العلامة محمد بوخبزة، تحقيق وتخريج وتعليق: عمر الحدوشي).

(3) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (كتب كثير من الناس بحوثًا، وأطاريح على الأديب سيد قطب-رحمه الله تعالى-بعض البحوث تعرف منها وتنكر، وبعضها: تعرف منها ولا تنكر، وبعضها: تنكر ولا تعرف-وهذا الأخير كتب ليرضي طواغيت سفهًا-وقرأت حول سيرته بحوثًا كثيرة، فأعجبت أيما إعجاب بكتابات وبحوث الدكتور الأديب محمد المنتصر الريسوني-رحمه الله تعالى-ولا سيما كتابه النافع بجزئيه:"سيد قطب ومنهجه في التفسير-الكتاب الأول: في سيرته وإنتاجه"، و(إلى الجنة عبر أحراش العذاب: مراث في سيد قطب) ، و (أعراس الشهادة في موسم الشنق: مسرحية شعرية عن جهاد الشهيد سيد قطب) ، و (منهج الدعوة عند الإمامين الشهيدين: حسن البنا، وسيد قطب) ، وغيرها كثير).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت