ويقول: (فإذا كان المسلمون اليوم لا يملكون بواقعهم تحقيق هذه الأحكام، فهم- اللحظة ومؤقتًا-غير مكلفين بتحقيقها-ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها-ولهم في الأحكام المرحلية سعة يتدرجون معها حتى ينتهوا إلى تنفيذ هذه الأحكام الأخيرة عند ما يكونون في الحال التي يستطيعون معها تنفيذها، ولكن عليهم أن لا يلووا أعناق النصوص النهائية لتوافق أحكام النصوص المرحلية، وعليهم أن لا يحملوا ضعفهم الحاضر على دين الله القوي المتين) .
وأظن أن هذه الحيثية محل اتفاق بين أهل العلم حيث يعتبرون المصالح في الجهاد ولا يشرع الجهاد إلا حين تحقيقها وعند ظهور مفاسد فإن الجهاد يحرم ومن هذا ما قاله أبو حامد الغزالي في: (إحياء علوم الدين) (2/ 319) : ( ... ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز فذلك حرام داخل تحت عموم آية التهلكة وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه يقاتل إلى أن يقتل أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جراءته واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل الله، فتنكسر بذلك شوكتهم) .
وقال الشوكاني في تفسير قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (البقرة: 195) في: (فتح القدير) (1/ 193) [1] : (فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين، أو: الدنيا فهو داخل في هذا، وبه قال ابن جرير الطبري [2] ، ومن جملة ما يدخل تحت الآية أن يقتحم الرجل في الحرب فيحمل على الجيش مع عدم قدرته على التخلص وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين) .
وقال الحافظ ابن حجر في: (فتح الباري) (8/ 186) : (وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو: يجريء المسلمين عليهم، أو: نحو ذلك من
(1) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (وقد صححت بعض العبارات من(فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير) (1/ 245/رقم الأية:195) راجعه وعلق عليه الشيخ هشام البخاري، والشيخ خضر عكاري، من مطبوعات: المكتبة العصرية).
(2) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (كما هو صريح كلامه في:(جامع البيان عن تأويل آي القرآن) (3/ 593/رقم الآية من سورة البقرة:195) راجعه وخرج أحاديثه المحدث أحمد شاكر، وحققه وعلق حواشيه شقيقه العلامة محمود محمد شاكر، من مطبوعات: دار ابن الجوزي).