الصفحة 64 من 89

و يذكر ابن القيم في: (زاد المعاد في هدي خير العباد) (3/ 355) [1] كيفية تقسيم السرايا [2] حسب القبائل في فتح مكة فيقول: (فَمَرَّتِ الْقَبَائِلُ عَلَى رَايَاتِهَا، كُلَّمَا مَرَّتْ بِهِ قَبِيلَةٌ قَالَ: يَا عباس مَنْ هَذِهِ؟ فَأَقُولُ: سُلَيْمٌ، قَالَ: فَيَقُولُ: مَا لِي وَلِسُلَيْمٍ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ الْقَبِيلَةُ، فَيَقُولُ: يَا عباس مَنْ هَؤُلاءِ؟، فَأَقُولُ: مُزَيْنَةُ، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلِمُزَيْنَةَ، حَتَّى نَفِدَتِ الْقَبَائِلُ، مَا تَمُرُّ بِهِ قَبِيلَةٌ إِلا سَأَلَنِي عَنْهَا، فَإِذَا أَخْبَرْتُهُ بِهِمْ، قَالَ: مَا لِي وَلِبَنِي فُلانٍ، حَتَّى مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ-فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، لا يُرَى مِنْهُمْ إِلا الْحَدَقُ مِنَ الْحَدِيدِ) .

ولو تأملت تعيينات الرسول-عليه الصلاة والسلام-لكثير من العمال والولاة تجد أنه يراعي هذه القضية فكم أقر من زعيم، أو: حاكم على منطقته مقابل الدخول تحت حكم الإسلام، وهكذا وما هذا إلا مراعاة للفطرة البشرية المغروزة في نفوس البشر وهي عدم محبة التصرف في محل السلطنة ومن هنا نفهم حديث المصطفى الذي رواه مسلم في: (صحيحه) برقم: (673) عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ-يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) [3] .

(1) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (النسخ التي بين يدي الآن ثلاثة: النسخة التي حقق نصوصها وخرج أحاديثها وعلق عليها المحدثان: شعيب الأرناؤوط، وعبد القادر الأرناؤوط، من مطبوعات: مؤسسة الرسالة، ومكتبة المنار الإسلامية(3/ 403 - تحت عنوان: فصل في الفتح الأعظم) ، والنسخة الثانية: (2/ 296) بتحقيق شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز، من مطبوعات: التقوى، اعتنى بها قسم التحقيق بدار فتح المجيد، والنسخة الثالثة: (3/ 337) تحقيق: يحيى بن محمد، ومسعد بن كامل، تحت إشراف: المحدث مصطفى العدوي، من مطبوعات: دار ابن رجب).

(2) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (حبذا لو قال أخونا الدكتور مظهر:"كيفية تقسيم الرايات حسب القبائل"، أما السرايا فلها نظام آخر، وتعريف آخر ... وقد ذكر أهل العلم بالسيرة أن عدد سرايا الرسول-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-73 سرية) .

(3) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (وعن ابي مسعود-رضي الله تعالى عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانت قراءتهم سواءً فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنًا ... - رواه مسلم في:(صحيح مسلم) (1/ 465) ، وأبو داود في: (سننه) (1/ 390/391) ، والترمذي في: (جامعه) (1/ 458/459) ، وقال: (حديث حسن صحيح) ، والنسائي في: (سننه) (2/ 76/77) ، وابن ماجه في: (سننه) (1/ 313/314) - ... ).

قال ابن علان في: (دليل الفالحين) (2/ 208) في قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:"فليؤمهم أكبرهم سنًا": (لأنه أقرب إلى التوجه إلى المولى، وأكثر عروضًا عن الدنيا، وتوجهًا إلى الدار الآخرة) .

وقال القاسمي في: (محاسن التأويل) (9/ 3576/3577) عند قوله تعالى: (قالوا يا أيها العزيز إن له أبًا شيخًا كبيرًا) (سورة يوسف، رقم الآية:78) : (الفقه من هذه الجملة أن للكبير حقًا يُتوسل به، كما توسلوا بكبر يعقوب، وقد ورد في الاستسقاء إخراج الشيوخ) .

وقديمًا كان علماء السلف يوصون أبناءهم وطلبتهم بالأدب مع شيوخهم وكبراء القوم، وهذا نموذج من تلك الوصايا الكثيرة-تجدها في كتاب: (من أدب الإسلام) (ص:190) ملحق بتحقيق رسالة (المسترشدين) للمحاسبي-:

(اعرف للكبير قدره وحقه، فإذا ماشيته فقدمه عليك في الدخول والخروج، وإذا التقيت به فأعطه حقه من السلام والاحترام، وإذا اشتركت معه في حديث فمكنه من الكلام قبلك، واستمع إليه بإصغاء وإجلال، وإذا كان في الحديث ما يدعو للمناقشة فناقشه بأدب وسكينة ولطف، وغُضَّ من صوتك في حديثك إليه، وإذا خاطبته أو: ناديته فلا تنس تكريمه في الخطاب والنداء) . انتهى من كتابي: (كيف تصير عالمًا في زمن النت؟) (ص:1361) ... ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت