(أليس من قصور النظر ومن الهوى [1] والتعصب، النظر في أحوال المسلمين في هذه(الحقبة من الزمن) التي تدهورت فيها علومهم وأعمالهم وأخلاقهم، وسلوكهم، ومبادئُهم، وفقدوا فيها معظم مقومات دينهم، وتركُ النظر إليهم في زهرة الإسلام والدين في الصدر الأول، حيث كانوا قائمين بالدين، مستقيمين على الدين، سالكين كل طريق يدعو إليه الدين، فارتقت أخلاقهم وأعمالهم حتى بلغت مبلغًا ما وصل إليه ولن يصل إليه أحد من الأولين والآخرين، ودانت لهم الدنيا من مشارقها إلى مغاربها وخضعت لهم أقوى الأمم وذلك بالدين الحق والعدل [2] والحكمة [3] والرحمة، وبالأوصاف الجميلة التي كانوا عليها) [4] .
وكان ذلك لعلو همتهم، وترك سفاسف الأمور الكاذبة، واعتزازهم بانتمائهم إلى الدين الحنيف، دين العزة والكرامة، فمن ذلك:
1 -ما صح عن طارق بن شهاب أنه قال:(خرج عمر بن الخطاب إلى الشام، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة، وعمر على ناقة، فنزل عنها، وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته، فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أأنت تفعل هذا؟! تخلع نعليك، وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة [5] ؟
ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك! فقال عمر: أوَّه لو يقل ذا غيرُك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمة محمد-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-إنا كنا أذلَّ قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله).
(1) -ميل القلب إلى ما يستلذ به. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:66) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.
(2) -العدل: مصدر بمعنى العدالة، وهي الاعتدال والثبات على الحق. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:73) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.
(3) -الحكمة: وضع الشيء في موضعه. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:66) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.
(4) -انظر: (انتصار الحق) (ص:21/ 23) لشيخ شيوخنا عبد الرحمن السعدي.
(5) -مخاضة: من النهر الكبير الموضع القليل الماء الذي يعبر فيه الناس مشاة وركبانًا. انظر: (المعجم الوسيط) (1/ 262 - مادة: خاض) ، و (الصحاح) (3/ 1075 - مادة: خاض) . للجوهري.