بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي - قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًَا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًَا لَنُحْرِقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي اليَمِّ نَسْفًَا طه/ 86، 92ـ97.
لما عاد موسى - عليه السلام - من ميعاد ربه على الطور، ووجد قومه يعكفون على عجل لهم اتّخذوه إلهًا من دون الله، غضب غضبًا شديدًا بدت ملامحه من الوصف في السياق، ورصد للحركات، وصياغة في التعبير، إذ إن النص يرسم الغضب العارم الذي استبدّ بسيدنا موسى - عليه السلام - في وصف مباشر بقوله (غضبانَ أسِفًا) ، غير أن الغضب لم يكن الانفعال الوحيد الذي خالج نفس موسى - عليه السلام -، بل كان مقرونًا بالحزن العميق لِما رآه ممّا آل إليه أمر قومه، وهذه الإثارة للانفعالين معًا تدل على حساسية الأمر الذي من أجله اندفع موسى - عليه السلام -، ثم يصور النص الحركات الانفعالية الغاضبة التي استولت على موسى - عليه السلام -، وهي إلقاء الألواح المقدسة التي تحمل كلمات ربه، وهذه الحركة بدون شك تدل على شدة الغضب الذي أفقده السيطرة على ضبط أعصابه والقدرة على نفسه، وكذلك قبضه على شعر رأس أخيه وعلى لحيته يجرُّه إليه معاتبًا ومغاضبًا ظنًّا منه أنه قصّر في نُصح القوم، وانصباب سورة الغضب على هارون الذي لم يكن السببَ الحقيقي في انحراف القوم ضرب من الانفعال يُطلق عليه علماء النفس مصطلح التحويل أو النقل أو الإزاحة ( Displacement) ، وفيه يتحول الغضب عن مصدر إثارته إلى سبب آخر [1] ، ويبدو انفعال الغضب أيضًا في أقوال موسى - عليه السلام -، حيث إن الصيغ الاستفهامية المتلاحقة في النص الثاني (ألم يعدكم، أفطال، ما منعك، أفعصيت، فما خطبُك) تعمل على انعكاس هذه النفس الثائرة المشحونة بأحاسيس الغضب المستعر، وذلك بخروجها من معانيها الموضوعة لها إلى معاني التقريع والتوبيخ والتأنيب، ثم تأتي نغمة التأكيدات (فإن لك، لا مساس، وإن لك، لن تخلفه) ـ حين التفت موسى - عليه السلام - إلى السامري مغاضبًا ـ لتُسهِم في تمثيل تلك اللهجة الغاضبة والعنيفة، ووصلت هذه اللهجة حدّتها من الهيجان والتأجج في التعبير الأخير {لَنُحْرِقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي اليَمِّ نَسْفًَا} .
وقد أشار القرآن الكريم بطريقته التصويرية إلى حفيظة فرعون الذي استطال بغطرسته على السحرة حين شاهدوا دلائل الإيمان ونور البصيرة في معجزة موسى - عليه السلام -، فآمنوا به واتّبعوه، فيقول: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًَا قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى - قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًَا وَأَبْقَى} طه/ 70ـ71.
(1) كثيرًا ما يحدث أن يُنقل الغضب أو يحوّل إلى أشخاص آخرين لم يكونوا هم في الحقيقة العقبة التي حالت دون تحقيق الأهداف، أو لم يكونوا هم السبب الحقيقي في إثارة انفعال الغضب، فقد يغضب الطفل ـ مثلًا ـ من أبيه فينقل غضبه إلى أخيه الأصغر فيضربه لأتفه الأسباب. ينظر: القرآن وعلم النفس: 73، ومقالات في علم النفس: 153، والمرجع في علم النفس: 333.