الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، أمّا بعدُ: فإن القرآن الكريم كتاب هداية أنزله الباري سبحانه وتعالى على الرسول - صلى الله عليه وسلم - للناس كافّةً، يخاطب فيه عقل الإنسان ووجدانه، ويهديه إلى الطريق الأقوم لنمو شخصيته وتحقيق ذاته؛ كي يفوز بالسعادة في الدنيا والآخرة، ومن ثَمَّ فكان من الطبيعي في كتابٍ غايته تربية النفس الإنسانية أن يتوافر على كثير من الآيات التي تصف أحوال النفس وتعمد إلى كشف خفاياها في أسلوب فني رائع يحمل صورًا تنبض بالحركة وتموج بالمشاعر في مجال الحس والرؤية.
ومن يعكِفْ على دراسة القرآن يجِدْ وصفًا دقيقًا وتشخيصًا حيًا لكثير من الانفعالات النفسية التي يشعر بها الإنسان في حياته، مثل الخوف والغضب والخجل والسخرية والبغض وغيرها معتمدًا في عرضها على التصوير الفني القائم على الحوار تارة، وعلى الحركة تارة أخرى، وعلى الوصف ثالثة، ومثل هذا الموضوع قمينٌ بأن يُدرس دراسة فنية وافية من أبعادها كافّة، تحليل نصٍ وطرق أداء ومظاهر تصوير، حتى يستجلي أسرار الأسلوب القرآني في صوره الفنية وهو يغوص على أغوار النفس في أدائه الباهر، لأن"الأسلوب الذي اعتمده القرآن في صياغة تعاليمه وفلسفته يستند إلى المنطق النفسي في التعبير الفني، فهو يصوغ تعابيره في أرقى أسلوب كلام العرب فنيًا، ويستوحي محتواه من النفس البشرية وتجاربها، ويدع الصورة الفنية والنفسية شيئين متلاحمين" [1] .
واقتضت طبيعةُ البحث توزيعَه على تمهيد وثلاثة محاور رئيسة، فالتمهيد يبحث عن مفهوم التصوير ومدياته في النقد الأدبي، ويعقبه تعريف موجز لمصطلح الانفعال عند علماء النفس، أمّا المحور الأول فقد بُني على تحليل بعض النصوص القرآنية المفعمة بالانفعالات النفسية، فوقع اختياري على جملة من تلك الانفعالات التي شكّلت ظاهرة فنية طغت على النص المعجز في النظم القرآني عرضًا وطولًا، فذكرتُ الخوفَ والحزن والندم والغضب والحب والقلق، واكتفيتُ في بعض المواضع بالإحالة تجنُّبًا للإطالة، ثم يأتي المحور الثاني ليتناول أهم أساليب تصوير الانفعالات في القرآن، وهي تتمثل في الحوار والحركة والوصف، في حين خُصِّص المحور الثالث لمظاهر الانفعالات النفسية في القرآن، تلك المظاهر التي تنبئ عن أحاسيس شعورية حادّة في الأعماق.
(1) الإعجاز الفني في القرآن: 6.