يعد النظم القرآني أعلى نموذج بياني وفني على الصعيد الأدبي؛ لاشتماله على أسلوب يجمع بين روعة التركيب، وجمال التعبير، ودقة الانتقاء، وقوة التأثير في عرض ساحر تستقطب عناصره في صيغة الأداء عن طريق التصوير، ونقصد بالتصوير هنا ما تبنّاه أحدُ المعاصرين قائلًا:"التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن، فهو يعبّر بالصورة المحسوسة المتخيّلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية، ثم ترتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة أو الحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخصٌ حي، وإذا الطبيعة البشرية مجسمة مرئية" [1] .
إن التصوير هو قاعدة التعبير الفني في القرآن لعرض حقائقه ومفاهيمه الدينية، ولعل مردَّ ذلك إلى أن التعبير باللغة التصويرية أقدر على بعث المعاني وأشدُّ تأثيرًا في النفس من اللغة التجريدية، لأن"المعاني التي تفيض بها الصور أغزر وأبين وأمكن" [2] ، فضلًا عن أن المعاني تصل إلى الحس والوجدان والذهن مقرونة بظلالها الجميلة وإيحاءاتها التضمينية في الطريقة التصويرية، ولهذه الطريقة في الأداء فضلها في إبلاغ الرسالة واستمالة القلوب وشدّ الأعناق.
ولا ينبعث التصوير عن دلالة الكلمات فحسب، بل يتجاوز إلى مجال أرحب ليشمل اللون والخطوط والظلال وجرس الألفاظ ونغم العبارات والتخييل في سياق نصٍ متماسكٍ يستهدف في نهاية المطاف توليد الصورة، إذ إن"التصوير الانفعالي يتم بواسطة الربط لتفاصيل أسلوب الأداء التعبيرية" [3] .
وقد انمازت الصور الفنية في القرآن بأنها كثيرًا ما ترتاد أغوار النفس البشرية فترسم مشاعرها رسمًا حيًا نابضًا بالحياة والحركة، وعلى هذا أكّد بعض المقاربات النقدية الحديثة، إذ ترى"أنّ الصورة تُصبح أشدَّ حساسية كلّما تعلقت بشعور جوهري لدى الإنسان" [4] ، ولذلك آثرتُ مصطلح التصوير في العنوان بدلًا من الصورة، ذلك"أن الصورة غالبًا تقع في دائرة الحواس، والتصوير أعم من الصورة فثمة أمور لا ترى بدقائقها ولكن بانعكاساتها" [5] .
أمّا الانفعال ( Emotion) فقد ورد عند علماء النفس للدلالة على أنه حالة نفسية ثائرة يضطرب لها الإنسانُ جسمًا ونفسًا، أو حالة وجدانية قوية طارئة مفاجئة وتظهر آثارها في السلوك الخارجي [6] ، ويحدث الانفعال عادةً عندما لا يتم التوافق بين داخل الإنسان وخارجه.
(1) التصوير الفني في القرآن: 32.
(2) التصوير البياني: 7.
(3) الصورة الفنية وطبيعتها: 31.
(4) نظرية البنائية في النقد الأدبي: 357.
(5) الصورة الفنية معيارًا نقديًا: 114، وينظر: الصورة الفنية وطبيعتها: 19.
(6) أصول علم النفس: 153، وأسس علم النفس: 54، ودراسات في علم النفس الأدبي: 53.