الصفحة 10 من 33

القصصية ليتم من خلالها استدعاء أحداث الماضي وجعلها تنشط في نطاق الزمن الحاضر وأحداثه" [1] ."

ويشخص التعبير القرآني صورة نفسية لصاحب الجنتين حين نزل العذاب بجنتيه فأصبح من النادمين عندما قال: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًَا} الكهف/ 42.

لقد كان صاحب الجنتين من قبل مغرورًا بثمره، مزهوًّا بنفسه، فأنكر عليه صاحبه المؤمن سلوكه هذا، وأنذره عاقبة البطر والكبر، لكنه أبى إلاّ أن ينغمس في غيه، وينجرف في غروره، فأحاط العذاب من كل حدب وصوب بثمره الذي يعتز به، فإذا الثمار كلها مدمرة، والجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة، و"في هذا الموقف يرسم القرآن صورة حسية لمسية لمشهد الندم والحسرات الذي تلا نزول العذاب، ويطيل الوقوف عند هذه الصورة كما أطال الوقوف من قبل عند صورة وصف الجنتين قبل حلول ذلك العذاب لكي يدفع الذهن بين تينك الصورتين ليستخلص من عملية الربط هذه المواعظ والعبر التي تمثل الهدف النهائي من سرد هذه القصة، ومن مفردات هذه الصورة الحسية المجسدة للندم (تقليب الكف) و (خواء الجنة على عروشها) ، وإطلاق هذه العبارة المشحونة بالحسرات المشيعة بمشاعر الندم القاتل، يقول: {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًَا} [2] ."

انفعال نفسي ينشأ إذا ما أحسَّ الإنسان بأن هناك عائقًا ما يقف دون تحقيق غاياته، ففي هذه الحالة يندفع الإنسان ويثور ويعبئ قواه وتزداد طاقاته العضلية للتغلب على العقبات التي تعترض الوصول إلى أهدافه [3] .

وفي القرآن المجيد يوجد تصوير دقيق ووصف عجيب لرسم هذه الحالة النفسية، ومثال ذلك قوله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًَا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ} الأعراف/ 150، وكذلك قوله تعالى: فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًَا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًَا حَسَنًَا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ... قَالَ يَا هَارُونَ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ - أَلاَّ تَتَّبِعِنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي - قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي - قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ - قَالَ بَصُرْتُ

(1) الحوار القصصي تقنياته وعلاقاته السردية: 135.

(2) القصص القرآني ـ رؤية فنية: 112.

(3) مقالات في علم النفس: 152، والمرجع في علم النفس: 333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت