أمّا من الناحية النفسية فقد ذهب علماء النفس إلى أن"الخاصية المميزة لاستجابة الخوف هي الانكماش والانسحاب وغالبًا ما يبلغان الذروة في استجابة هروبية" [1] ، حيث إن الترقب في الآية يمثل انكماش موسى واختفاءه عن أعين الناس خشية انكشاف أمره، فلمّا أحسّ بدنو الخطر وتوالت الشدائد عليه استحال انكماشه إلى ضرب من الهروب والخروج من المدينة من غير أن تنفك عنه سمة الترقب كما جاء في قوله تعالى في السياق نفسه: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ المَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ - فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ} القصص/ 20ـ21.
ويستحضر التعبير القرآني بتصويره الفني الخوفَ الذي هزَّ قلوب المؤمنين هزًّا عنيفًا يوم أحاطت بهم الأحزاب في غزوة الخندق {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًَا وَجُنُودًَا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًَا - إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ باللهِ الظُّنُونَا - هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًَا} الأحزاب/ 9ـ11.
يستمد التصوير إيحاءاته الفنية من رسم ملامح الصورة الحسية والصورة النفسية مقترنتين، فأتت صورة المجيء المطبق على المؤمنين في وصف هيئة تجسمه {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} لأن هيئة المجيء من فوق ومن تحت أدخل في الحسية من الوصف بالإحاطة، ثم التقت الصورتان في ربقة واحدة {وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ} وهو"تعبير مصوّر لحالة الخوف والكربة والضيق، يرسمها بملامح الوجوه وحركات القلوب" [2] ، ويركز النص في قوله {وَتَظُنُّونَ باللهِ الظُّنُونَا ... وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًَا} على الانفعالات الموّارة التي عصفت بالمؤمنين عصفًا حتّى ظنّ بعضهم أن الله تخلّى عنهم وتركهم فريسة سهلة للأعداء، وكأن الألف في (الظنونا) بانطلاقها إلى العلو تعمل على امتداد الظنون السيئة بالله إلى أوجها وبلوغها الغاية في الشدة، وتشتمل لفظة (زلزلوا) على اضطرابات نفسية متتابعة لا تنقطع، وذلك من خلال قوة الاستعارة التي شبهت الاضطراب النفسي الذي أصابهم بالزلزال، وهو حدث كوني عظيم فيه الارتجاج والانشقاق لمظاهر الطبيعة.
حالة نفسية تحدث عادةً إذا فقد الإنسان عزيزًا أو شيئًا ذا قيمة، أو حلّت به كارثة، أو فشل في تحقيق أمر هام [3] .
(1) أسس علم النفس العام: 153، والقرآن وعلم النفس: 66.
(2) في ظلال القرآن: 5/ 2837.
(3) القرآن وعلم النفس: 91.