وقد ورد في القرآن الكريم وصفٌ فني لذلك الانفعال في مواضع كثيرة، من ذلك تصويره للحزن الذي كان عليه الثلاثة المتخلفون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ - وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} التوبة/ 117ـ118.
يعوّل التصوير على توظيف الحروف والتجسيم [1] ، إذ إن حرف الجر (على) في سياق الحديث عن الثلاثة تكرّر أربع مرات، متعلقًا مرتين بالفعل (تاب) ليوحي من خلال دلالته الاستعلائية بانتشال هذه النفوس الخانقة من غمرة الحزن، ومتعلقًا في الأخريين بالفعل (ضاق) ليومئ إلى إطباق شديد يجسد الحزن الذي خيَّمَ ظلامُه على هؤلاء، ثم تأتي (حتى) لتصوّر طول المدة الزمنية التي قضاها المتخلفون في حزن دائم وضجر طويل، وعلى الرغم من أنهم تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإرادتهم، إلاّ أن النص يستخدم الفعل (خُلّفوا) بدلًا من (تخلفوا) ، وفي ذلك إشارة إلى أن هناك دافعًا نفسيًا حملهم على القعود والتقاعس، وبالرجوع إلى ملابسات الحادث في السيرة نجد أنهم صرّحوا بذلك فيما بعد فقال أحدهم:"وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وأنا إليها أصغو" [2] ، فالركون إلى زينة الحياة الدنيا هو الباعث على هذا الصنيع، والقرآن حين يخاطب المسلمين يلمس هذا الشعور الداخلي الذي أخفاه هؤلاء الثلاثة ردحًا من الزمن حتى أظهره القرآن في بيانه الساحر.
ثم استعمل النص أسلوب التجسيم لإبراز هذا الحزن العميق في قوله تعالى {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيهِمْ أَنْفُسُهُمْ} حيث إن"الأرض تضيق عليهم ونفوسهم تضيق بهم كما تضيق بهم الأرض، ويستحيل الضيق المعنوي في هذا التصوير ضيقًا حسيًا أوضح وأقوى، وتتجسم حالة هؤلاء الذين تخلفوا عن الغزو مع رسول الله، فأحسّوا بهذا الضيق الخانق وندموا على تخلفهم ذلك الندم المحرج حتى لا يجدون ملجأً ولا مفرًا ولا يطيقون راحة إلى أن قبل الله توبتهم" [3] ، وفي هذا القيد الزائد نحويًا (بما رحبت) دلالة تصويرية على شدة الحزن لأنه يخلق تقابلًا صوريًا بين الضيق الشديد في النفوس، والاتساع الكثير في الأرض.
يشعر الآباء بالحزن الشديد إذا ما فقدوا أبناءهم أو لحق بهم ضررٌ أو أصابهم سوء، وقد صوّر القرآن حزن يعقوب - عليه السلام - من غياب يوسف - عليه السلام - في قوله تعالى: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ - قَالُواْ تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ
(1) التجسيم: هو تحويل المعنوي المجرد من اللبوس والحدود المكانية إلى حسيات تُرى أو تُسمع أو تُلمس أو تُشمُّ أو تُذاق. ينظر: الصورة الفنية معيارًا نقديًا: 417.
(2) صحيح مسلم: 17/ 88.
(3) التصوير الفني في القرآن: 67.