أثبت علماء النفس من خلال تجارب عملية أجروها على الإنسان في حالات متباينة أن الانفعالات النفسية على اختلاف ألوانها تصاحبها مظاهر جسمية خارجية تبدو على قسمات الوجه وملامح العين ونبرات الصوت وهيئة البدن وحركات الجسم [1] ، وقد استوفى القرآن الكريم بعضًا من هذه المظاهر بوصف دقيق لِما لها من تأثيرات وجدانية تجعل الصور أقدر على تقريب المعاني إلى الأذهان وأدعى لإثارة الخيال على التمثيل.
ويعد تغيير ملامح الوجه، سواء بالحسن أم بالقبح، من أبرز المظاهر الخارجية التي شخّصها التصوير القرآني للدلالة على الانفعالات النفسية، يقول الحق في ذلك: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيْمَانِكُمْ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ - وَأَمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} آل عمران/ 106ـ107.
إن للألوان دلالَتها في تشخيص الفرح الذي يشعر به المؤمنون عند ربهم يوم القيامة، والحزن الذي يخيم ظلامه على الكافرين، إذ"إن كلمات الألوان لا تحيل إلى الألوان ذاتها أو تحيل إليها في اللحظة الأولى فحسب، أمّا في اللحظة الثانية فإن اللون نفسه يتحول إلى دالّ يؤدي دلالة ثانية ذات طبيعة وجدانية" [2] ، وحتى يكون هذا المشهد الحسي أكثر استيفاءً بالتناسق الصوري في تمظهر الانفعالين يباغت هؤلاء وأولئك حوارٌ مجهول المصدر، ربّما يكون من الملائكة، ليزيد المؤمنين فرحًا على فرحهم، والكافرين حزنًا على حزنهم.
وفي مقابلة ثنائية بين صورة الأخيار البررة والكفرة الفجرة يصف القرآن آثار الفرح والحزن التي ترتسم على وجوه الفريقين باعتبار أن الوجه هو المرآة الصادقة التي تعكس أحاسيس النفس فيقول: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ - ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ - وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ - تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ - أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ} عبس/ 38ـ42.
بدت مظاهر الفرح على وجوه المؤمنين فأشرقت واستنارت، لأن أصحابها مسرورون بنجائهم من هول الصاخة، ومطمئنون أن ربهم سينالهم برحمة منه، فانعكس هذا السرور وذاك الاطمئنان على صفحات وجوههم، فهي ضاحكة مستبشرة، وما الضحك والاستبشار إلاّ مظهران من مظاهر فرحة النفوس، وفي مقابل هذه الوجوه المنيرة ترى وجوهًا مغبرّة يعلوها سوادٌ وظلمة، ويغشاها كدر وانقباض، وهذه الملامح الحسية المرسومة على تلك الوجوه تنبئ عن الحزن القاتل الذي يحسّ به أهلها، وبجانب هذه الأمارات البادية على الوجوه والكاشفة عن الفرح والحزن تُسهم البنية الإيقاعية للنص في تصوير
(1) أسس علم النفس العام: 150، والمدخل في علم النفس: 131، ومقالات في علم النفس: 139.
(2) نظرية البنائية في النقد الأدبي: 359.