هذين الانفعالين بجرسها الذي يلقيه التعبير في النفس، إذ إن الجرس في آيتي النعيم سلِسٌ يوائم بسلاسته المنبعثة من همس الحروف وذلاقتها فرحة قلوب المؤمنين، في حين يتميز الجرس في آيتي العذاب بالشدة والثقل ليعبر عن المشاعر النفسية الحزينة التي لابست قلوب الكافرين [1] ، ويتضح هذا التباين النغمي جليًا في فواصل الآيات وقدرتها على تلوين الكلام بما يتناسق مع الموقف الشعوري المراد الإفصاحُ عنه، ذلك أن"الفواصل ذوات البسط في الصيغة (مسفرة، مستبشرة) توحي ببسط أو انبساط وراحة نفسية للمؤمنين، بينما توحي الفواصل المختزلة ذوات القبض في الصيغة (غبرة، قترة، فجرة) بشيء من التوجس والكدر النفسي الذي يعانيه هؤلاء الكفرة" [2] .
وشبيه هذه الصورة الثنائية قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ - وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ - تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} القيامة/ 22ـ25، وكذلك قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ - عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ... وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ - لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} الغاشية/ 2ـ3،8ـ9.
وبمعزل عن هذا التقابل الصوري تظهر وجوه الكافرين في لوحة فنية على انفراد، مثال ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًَا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يونس/ 27.
يقوم التشبيه ـ على اعتباره أصلًا من أصول التصوير البياني ـ بإبراز الصورة الشكلية واستقراء المظاهر الحسية في وجوه الذين كسبوا السيئات يوم القيامة، وذلك حين يعقد التشبيه علاقة تضمّ صورة الليل المظلم إلى مظاهر وجوه الأذلاء لتبدو محسوسة مرئية في السواد والقتام، فهي وجوهٌ مسودّة قطيبة عليها أثرُ الذل والانكسار، تخاف أن ينزل بها العذاب وتحزن على ما قدّمت يداها من السيئات، وبهذا يكون التشبيه عنصرًا فنيًا يعمل على تقريب صورة أهل النار إلى الأذهان وإحضاره في الخيال، لأن"النص الأدبي الممتاز لا يقصد إلى التشبيه بوصفه تشبيهًا فحسب، بل بوصفه حاجة فنية تبنى عليها ضرورة الصياغة والتركيب، فهو وإن كان عنصرًا أساسيًا يكسب النص روعة واستقامة وتقريب فهم، إلاّ أنه يبدو عنصرًا ضروريًا لأداء المعنى المراد من جميع الوجوه، لأن في التشبيه تمثيلًا للصورة، وإثباتًا للخواطر، وتلبيةً لحاجات النفس" [3] .
ومثلما وصف القرآن الكريم مظاهر الحزن والخوف في إطار صور فنية أُحادية العرض تناول الوصف القرآني أيضًا مظاهر الفرح والسرور في مشاهد حسية على انفراد، كما ورد في قوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ - عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ - تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} المطففين/ 22ـ24.
(1) الجرس والإيقاع في تعبير القرآن: 349.
(2) من صور الإعجاز الصوتي في القرآن: 108.
(3) أصول البيان العربي: 65.