تظهر فورة الغضب في نوع العقاب الذي حدّده فرعونُ للسحرة، وهو عقاب قاسٍ وأليم تتمثل شدته في التهديد بالتصفية الجسدية التي هي قطع الأيدي والأرجل، لكنه ليس قطعًا مستويًا، وإنّما في صورة التشويه والتمثيل بأن تقطع أيديهم اليُمنى وأرجلهم اليسرى أو أيديهم اليسرى وأرجلهم اليمنى (من خلاف) ، ويبلغ التعذيب أقصاه حين يُحكم عليهم بالموت البطيء فيُصلبون في جوع النخل، ويدل هذا الوعيد الشديد على أن فرعون قد امتلأت نفسه من السحرة غضبًا، وجاش صدره بما يتوعد به حقدًا.
وتكشف بنية النص في الأداء عن جوانب هذا الغضب الجارف، إذ يبدو أن فرعون قد رفع صوته صائحًا، وشدّد نبرته متوعدًا في وجه السحرة لمّا رأى خرورهم إلى السجود، ويكفل المدّان المتتاليان في (آمنتم، آذن) ، وتتابع عناصر التوكيد، وتعاقب الشدّات بعضها في إثر بعض بإيحاء هذه المعاني، وإلى تلك العلاقة بين المعنى في النفس، وتجلّياته في الصوت حرفًا وحركةً أشار بعض الباحثين بقولهم:"إن مادة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي، وإن هذا الانفعال بطبيعته إنّما هو سبب في تنويع الصوت، بما يخرجه فيه مدًّا أو غنّة أو لينًا أو شدّة، وبما يهيئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه على مقادير تناسب ما في النفس من أصولها" [1] ، وتصوّر استعارة حرف الجر في قوله تعالى على لسان فرعون {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} بُعدًا آخر من مشاعر الغضب، فهو يوحي بتمكن المصلوبين في جذوع النخل أشد التمكين، وكأن جذوع النخل صارت أوعية يُشدُّ خناقها على السحرة، وفي ذلك إشارة إلى شدة وثاقهم بجذوع النخل، وهذا المعنى بدوره يحيل إلى معنى أعمق وهو شدة الغضب عليهم، وسورة الاغتياظ منهم، وهيجان نفس فرعون بدافع الانتقام والبغض، يُضاف إلى ذلك أن تصوير الغضب"يتجلّى في الفعل مشدّد العين (أُقطّعنّ، وأصلِّبنّكم) كما تضيف نون التوكيد معنى الشدة، وثمة نبرة قوية في الوقوف على الميم الساكنة ثلاث مرات، وفي الوقوف على الباء الساكنة في الكلمة الأخيرة (أبْقى) ، وكل هذا يساعد على تجسيم الغضب، وشدة الوعيد" [2] .
انفعال إيجابي يدعو إلى الارتياح نحو شخصٍ أو موضوع أو فكرة معيّنة [3] ، وهو أساس التآلف بين الناس، فيجعل الآباء يشعرون بالمودّة القصوى إزاء أبنائهم، ويحمل الأمّهات على الشوق الحميم تجاه أولادهنّ، ويربط الناس بعضهم ببعضٍ على قدرٍ كبيرٍ من العلاقة الوطيدة.
وجريًا على لغته التصويرية أفصح القرآن عن هذا الانفعال النفسي أثناء ذكره قصة نوح - عليه السلام -، وما يكنّه من الحب الدافئ لابنه الشارد حين عمّ الطوفان كل شيء فناداه في عطف وحنان، في هذا المشهد الرهيب وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ
(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 77، وينظر: مسائل فلسفة الفن المعاصرة: 139، ودلالة الألفاظ: 70.
(2) جماليات المفردة القرآنية: 252.
(3) المرجع في علم النفس: 56.