تَكُنْ مَعَ الكَافِرِينَ - قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا المَوْجُ فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِينَ هود/ 42ـ43.
إن تصوير الحب يكمن في جيشان عاطفة الأبوة في هذا الهول الهائل حيث أن"نوح الوالد الملهوف يبعث بالنداء تلو النداء، وابنه الفتى المغرور يأبى إجابة الدعاء، والموجة القوية العاتية تحسم الموقف في لحظة سريعة خاطفة، وإن الهول هنا ليقاس بمداه في النفس الحية بين الوالد والمولود، كما يقاس بمداه في الطبيعة حيث يطغى الموج على الذرى بعد الوديان وإنهما لمتكافئان، في الطبيعة الصامتة وفي نفس الإنسان" [1] ، وفي تشبيه الأمواج المتلاطمة بالجبال الشامخة تهويلٌ وتفظيع لرسم الموج الغامر الذي يبتلع كل شيء، وفي ظل هذه الصورة المرعبة يُلحظ مدى تدفق عاطفة الأبوة الملهوفة تجاه البنوة العاقة في الدلالة على هيجان شعور الحب، وغليان أحاسيس التحنان، كما يُلمس في الجملة الاعتراضية (وكان في معزل) دلالة تصويرية لها أبعادها في رسم الهول والفرع الحائلين دون الوالد والمولود من جهة، وفي إبراز ذلك الانفعال الذي يموج في قلب نوح - عليه السلام - من جهة أخرى، حيث إن الحاجز المادي المتمثل في أمواج البحر الزاخر لم يكن حاجزًا نفسيًا يحول بين المرء وابنه، بالإضافة إلى أن التعبير بـ (يا بُنيّ) الذي يجمع بين البنوة وتصغيرها وندائها متلوًا بالأمر والنهي يعكس تحبب نوح - عليه السلام - وتلطفه القلبي تجاه ابنه العاق عساه يركب معهم ولا يدخل في زمرة الكافرين.
ونظير ذلك هذا المشهد المثير الذي رسمه التعبير القرآني ليعقوب - عليه السلام - حينما قصَّ ابنه الصغير يوسف - عليه السلام - رؤياه عليه فحذّره تحذيرًا مفعمًا بعاطفة الحب ودافع الأبوة الحنونة في قوله: {قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} يوسف/ 5.
ألقى الله سبحانه وتعالى حُبّ يوسف - عليه السلام - في قلب يعقوب - عليه السلام -، و"قد تضخم حجم هذا الانفعال بعاطفة أخرى هي صغر سن ولده يوسف، ثم تضخّم حجمه بسمة الجمال الفائق الذي طبع ولده، وفي ضوء هذا يمكن أن نقدر مدى الحب الذي يكنّه يعقوب لولده، وبالمقابل ينبغي أن نقدّر مدى ضخامة المأساة في استجابة الأب، عندما تضخمت مأساة ولده، إلى الدرجة التي يفتقده، وليس مجرد لحوق أذى به" [2] ، إن الرؤيا التي قصّها يوسف - عليه السلام - على أبيه يعقوب - عليه السلام - كانت"بؤرة لإثارة المشاعر المتعارضة، إذ زادت من حب يعقوب ليوسف عليهما السلام، وهذا بدوره أشعل نار الغيرة وأثار حفيظة الحسد في نفس أخوة يوسف الذي ترتب عليه التخطيط للمكيدة" [3] ، ومن ثم فإن لغة يعقوب تترجم هذا الحب القوي الدافق بين جنباته، وذلك باستعماله النداء الرقيق الدالّ على التلطف والتحبب (يا بُنيّ) ، وبتأكيده الجازم بالمصدر (فيكيدوا لك كيدًا) على أن مؤامرة ستُحاك ضده إذا ما قصّ رؤياه على إخوته، وكذلك بإحضاره الكثيف لضمائر الخطاب على المستوى الظاهري في النص،
(1) التصوير الفني: 50.
(2) دراسات فنية في قصص القرآن: 197.
(3) الجانب الفني في القصة القرآنية: 149.