مما يوحي بحضور المخاطب ـ يوسف ـ في قلب يعقوب وبمثوله في ذهنه على المستوى الباطني في النفس، لأن الكلمة هي صوت النفس وإن"الكلام الصادق ما هو إلاّ قطعة من النفس تأخذ شكل الكلام" [1] .
اضطراب نفسي يجعل المرء في حيرة من أمره، ويوقعه في تردد وتذبذب، فلا يستقر على هذا ولا ذاك، وغالبًا ما يقترن بالخوف، وهو يختلف عن الخوف في أن للخوف سببًا معروفًا، لكن القلق سببه مجهول، بل قد لا يوجد ثمة سبب على الإطلاق، ومن ثَمَّ رأى بعض الباحثين أن القلق الحقيقي هو فقدان الأمن [2] .
ويرسم القرآن نموذجًا حيًا وواقعيًا لأنماط من الناس يعيشون في تخبط وقلق دائمين، وذلك عندما صوّر المنافقين في إيثار الضلال على الهدى، وفي التأرجح الكثير بين الإيمان والكفر، فهم حيارى في أمرهم، مضطربون في سلوكهم، وتتجلّى هذه الصورة النفسية في قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًَا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فَي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ - صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ - أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ المَوْتَ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالكَافِرِينَ - يَكَادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة/ 17ـ20.
يشبّه النص الكريم المنافقين الضالين في حيرتهم واضطرابهم بمن أوقد نارًا في ليلٍ بهيمٍ شديد الظلمة، فأضاءت طريقه وبددت مخاوفه حتى إذا استأنست نفسه إليها وظنّ أنها تجديه في قلقه ووحشته نفعًا ذهبت النارُ، وأحاط به ظلام دامس، فبقي في ظلمته وتخبطه، فلا يرى موضع قدمه، ولا يدري إلى أين يتّجه، فلا يمشي خطوة حتّى يرتدّ خطوات، فهو في أزمة نفسية حادّة تتقاذفه أمواج التردد في مواصلة السير أو العودة إلى الوراء أو البقاء في ظلمة ليلة مطبقة، ومما يزيد في تعميق صورة الليل المظلم عند هؤلاءِ المنافقين في هذا الموقف هو النارُ نفسُها، تلك التي اطمأنّت نفوسهم إليها، وقرَّت عيونهم بها، فزادتهم ظلمة على ظلمتهم، لأن الإنسان حين يكون في ضوء ويفاجأ بانطفائه لا يكاد يبصر شيئًا، بخلاف ما إذا كان الإنسان يمشي في الظلام، فاعتاد عليه، وتكيفت معها عدسة العين، وهنا تظهر روعة التعبير القرآني في تصوير المعاني، فاستخدم (لمّا) في قوله {فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} لتفيد معنى المفاجأة والسرعة في تبديد الضوء وذهاب النور، كما استخدم الجمع
(1) خصائص التراكيب: 288.
(2) المرجع في علم النفس: 331، 332.