الصفحة 9 من 33

وينقل لنا القرآن الكريم صورة نفسية للعرب الجهلاء الذين عاشوا قبل الإسلام وهم يحزنون أشد الحزن على ولادة البنات، ومصداق ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًَّا وَهُوَ كَظِيمٌ - يَتَوَارَى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} النحل/ 58ـ59.

توحِّد الصورة بين الخارج والداخل، فالملامح الخارجية بدت عليها أمارات الغم العميق، إذ اربدَّ الوجه وتغير متنكرًا وعلاه السواد من سوء ما بشر به، واللون الأسود هنا يحيل بظلاله في السياق إلى هذه الدلالة الشعورية، والحركات الداخلية في (وهو كظيم) تعبّر عمّا تكنه النفس من الحزن الشديد في كرهها للإناث، فضلًا عن رصد التعبير اللاحق للتردد الذي يمور في خاطر الرجل من الإبقاء عليهن ذلًا وهوانًا أم وأدهنَّ حيّاتٍ في التراب للخلاص من وصمة العار، واتخذ النص القرآني لإبراز هذا الصراع النفسي المونولوج بوصفه وسيلةً"لكشف خبايا قلب الشخصية والتحدث عنها صراحة دون مواربة أو تغطية، فهو يقذف ما يعتلج في داخله من أفكار ومشاعر ويعرضها بصدق تام وحرية كاملة، كاشفًا كل البواعث والخواطر والمحفزات التي تكمن وراءها" [1] .

يعرف بأنه"حالة انفعالية تنشأ عن شعور الإنسان بالذنب وأسفه على ارتكابه، ولومه لنفسه على ما فعل، وتمنيه لو أنه لم يفعل ذلك" [2] .

وجاء تصوير الندم في القرآن الكريم ليعبر عن الشعور الذي يحس به الإنسان إذ يواجه مصيره المحتوم ويتذكر ما مضى آسفًا عليه ومتمنيًا لو لم يقدم عليه، وبرهان ذلك قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا - يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلًا - لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولًا} الفرقان/ 27ـ29.

فالآية تصوّر ندم الظالمين يوم القيامة في حركة انفعالية هي عض اليدين لترمز إلى الندم الفاجع والحسرة اللاذعة بعد فوات الأوان، وممّا زاد في عمق التصوير تلك النبرات الأسيفة والنغمات الحزينة التي يبثها الظالم في حوار ذاتي يجريه مع نفسه {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ... } فبعد أن صور النص الظالم يعض يديه ندمًا وتفريجًا راح يصوره ناطقًا بكلمات وعبارات ملؤها الأسف والأسى بدلالاتها اللفظية وبإيقاعاتها المديدة المتموجة، وهذا اللون من الحوار يشبه ما يُسمّى اليوم في النقد القصصي بعملية الارتجاع الفني ( Flash Back) وهي"عملية نفسية تقوم بها ذاكرة الشخصية"

(1) تولستوي فنانًا: 80.

(2) القرآن وعلم النفس: 95.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت