الصفحة 8 من 33

حَتَّى تَكُونَ حَرَضًَا أَوْ تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ - قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ يوسف/ 84ـ86.

فالآية تعرض صورتين متناقضتين في مشهد واحد بأسلوب مثير يجمع بين الحوار المتأزم والوصف الدقيق، صورة نفسية ليعقوب - عليه السلام - وقد أعرض عن أولاده إعراض عتاب وقلبه مفجوعٌ مكلومٌ من الحزن على فقد فلذة كبده يوسف الحبيب معبّرًا عن هذه الحالة النفسية القاتمة بهذا التعبير {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} الدالِّ على الحزن واللهف البالغين بمدّه الطويل وبدلالته المنطوقة، ويعمق النص صورة النفس الحزينة برسم الملامح الخارجية لسيّدنا يعقوب - عليه السلام -، إذ تبيضّ عيناه من شدة الحزن وكثرة البكاء على يوسف - عليه السلام -، واللون الأبيض هنا يرتبط بدلالة وجدانية تشير إلى الحزن العالق في بالنفس، وتقابل هذه الصورةَ النفسية الحزينة القائمة على وصف خلجات النفس صورةٌ نفسية أخرى لأبناء يعقوب - عليه السلام - وهم يردون على أبيهم الكمِد أعنف الردّ وأقساه من خلال هذا الحوار الدائر بينهم {قَالُواْ تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًَا أَوْ تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ} وقد أشار ابن أبي الإصبع في هذا السياق إلى دور المفردات في تصوير ذلك الموقف الغريب قائلًا:"فإنه سبحانه أتى بأغرب ألفاظ القسم بالنسبة إلى أخواتها، فإن (والله) و (بالله) أكثر استعمالًا وأعرف عند الكافة من (تالله) ، لمّا كان الفعل الذي جاور أغرب الصيغ التي هي في بابه، فإن (كان) وأخواتها أكثر استعمالًا من (تفتأ) وأعرف عند الكافة، ولذلك أتى بعدهما بأغرب ألفاظ الهلاك وهي لفظة (حرض) " [1] ، كما أن لطبيعة بعض الأصوات إسهامًا في تصوير نفسية أبناء يعقوب وهم يواجهون أباهم الكمد الكظيم بالاشمئزاز والغضب، ويستجلي أحد المعاصرين جمالية تلك الأصوات بقوله:"استمِعْ إلى هذه الموسيقى المتدفقة منها تدفق السيل الهادر في لُجّة البحر العميق، إنها لو صِيغ منها لحنٌ موسيقي يجري مع مقاطعها ومخارجها لكان منه أروع نغم تسمعه الأذن، فالتاء من الحروف المتفجرة، وإذا كانت مفتوحة اتسعت رقعة انفجارها، فإذا وقع بعدها سكون كان هو القرار الذي يمسك هذا الدويَّ الحادث من التفجير (تَلْ ـ تَفْ ـ تَذْ) ، ولا تجد في الكلام أوضح وأصدق من هذه الصورة التي التقطتها هذه الكلمات الثلاث للموقف المتأزم الخانق بين يعقوب - عليه السلام - وأبنائه، وبعد أن فعلوا فعلتهم بيوسف" [2] ، ويستمر النص في متابعة الحوار {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ليعيد صورة يعقوب الحزينة وهو يبث شكواه إلى الله آملًا أن يذهب الحزن عن قلبه بعودة يوسف - عليه السلام - إلى كنفه الدافئ، وتكمن جمالية الصورة في الجمع بين المتناقضين القائمين على التقابل، فبدت خطوطها متآلفة متلاصقة في ربقة واحدة متحدة اصطلح على تسميتها (الوحدة في التنوع) [3] .

(1) بديع القرآن: 78.

(2) إعجاز القرآن: 2/ 273.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت