ونلمس مواقع الألم فيها" [1] ، ومثل هذا الوصف النفسي الدقيق الذي يعتمد استنطاق الشخصية أساسًا للإفصاح عن شعورها الكامن يُعدُّ عنصرًا بالغ الأهمية من الوجهة الفنية في تصوير الحالة النفسية المتحركة في القصة قياسًا بالوسائل الفنية الأخرى، وذلك ما أكّده بعض الباحثين الغربيين إذ"أدركوا أن أي وصف نفسي دقيق لماهية أي إنسان في أية لحظة معيّنة لا يمكن أن يقدم في حدود وصف ساكن ( Static) للشخصية، ولا في حدود مجموعة من ردود أفعالها المرتبة ترتيبًا زمنيًا تجاه سلسلة من الظروف، فأصبحوا مهتمين بجوانب الوعي التي لا يمكن النظر إليها على أنها تتابع لحظات فردية أو لحظات وجود نفسي ( Self-Existing) ولكنها جوانب متحركة أساسًا، أكثر منها جوانب ساكنة في الطبيعة، ومستقلة عن اللحظة المعطاة" [2] ."
الحركة جزء حيّ من الحياة، فهي سمة الكائنات الحية، فالحركة حياة والسكون موت، وكثيرًا ما تنم لدى الإنسان عن حالات شعورية ترتبط بها في علاقة تفاعلية سببية، وهذا ما تنبّه عليه (جويو) عندما تطرق لجمالية الحركة في الحياة والفن فقال:"فالجمال الأسمى في الحركات إذن من غير الحركات، إنه يأتي من فوق، ويأتي من أفق الإرادة والعواطف، ولكي نجد تعليله الصحيح، فلا بُدَّ من الصعود إلى هذا الأفق أفق الإرادة والعواطف" [3] ، وتتأتّى جمالية الحركة في الفن من قدرتها على تلوين النص بالحيوية والسياق بالديناميكية والمواقف بالفاعلية، وهذا ما يجعل القارئ أكثر تجاوبًا وأشدّ تجاذبًا مع النص، ومن ثم عدّها بعضهم"أجمل ما في التصوير" [4] .
ونستجلي في هذا المحور الحركة التي تتناولها بعض ألفاظ القرآن الكريم بالتصوير، ومن ثمّ دلالتها على الانفعالات النفسية والتركيبة العاطفية، ومدى مطابقتها مع الموقف الوجداني الذي يبغي النص القرآني إبرازه وإظهاره.
إذ يتحدث القرآن الكريم عن استبعاد المنافقين لقدرة الله أن يردهم أحياء بعدما كانوا عظامًا يابسة ورُفاتًا بالية يرصد حركة تُنبئ عن أعماق قلوبهم، فيقول: {وَقَالُواْ أَإِذَا كُنَّا عِظَامًَا وَرُفَاتًَا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًَا جَدِيدًَا - قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًَا - أَوْ خَلْقًَا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًَا} الإسراء/ 49ـ51.
إن هذه الحركة المكنونة في لفظ (فَسَيُنْغِضُونَ) والتي تعني"تحريك الرأس نحو الغير" [5] ، تصوّر بدقة ما يداخل نفوس المنافقين من سُخرية وكبر واستنكار حين يأتيهم الجواب بأن الله الذي أنشأهم
(1) التصوير الفني: 159.
(3) مسائل فلسفة الفن المعاصرة: 48.
(4) الصورة الفنية معيارًا نقديًا: 130.
(5) المفردات في غريب القرآن: 500.