أول مرة قادرٌ على أن يردهم إلى الحياة، وكأنّهم بحركتهم تلك يكشفون النقاب عن نفوسهم الساخرة غير آبهين بما يقوله الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن البعث بعد الموت، لأنه ـ في زعمهم ـ أمرٌ لا يصح ولا يعقل، فيكون هذا الإحساس الخاطئ أدعى لإثارة السخرية في نفوسهم، وفي الجار والمجرور (إليك) تمثيل لهذه الحركة في وجه الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، وبذا تغدو الصورة المتحركة ماثلة للعيون بكل أبعادها وحاضرة في الذهن بكل خطوطها، كما أن ملامح الصورة اكتملت بفضل الحوار الذي يعبر أيضًا عن استهزاء المنافقين واستبعادهم لمجيء هذا اليوم العظيم.
وقد تكرّرت حركة الرأس في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} المنافقون/ 5.
إن التقاط هذه الحركة لرؤوس المنافقين وهي تميل وتنعطف يشير إلى ما تحمله نفوسهم من الاستهزاء والترفع تجاه هذا العرض، وهنا يمكن الاستئناس في الكلمة (لَوَّوْا) بالتشديد على الواو مع تكرارها للإيحاء بهذا الموقف الشعوري.
وحين يحذّر القرآنُ المؤمنين من اتّخاذ المنافقين أصدقاء خُلّص يسرون إليهم بالمودّة يسجل حركة المنافقين الدالّة على الغيظ في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ - هَا أَنْتُمْ أُولاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُم وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} آل عمران/ 118ـ119.
يعرض النص في البداية نوايا المنافقين البغيضة وأحاسيسهم الغاضبة تجاه المؤمنين بأسلوب الوصف {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} ، بيد أن هذا البغض المضمر سرعان ما يصير من شدته وفورانه غضبًا عارمًا لا يجد منفذًا للتفريغ فيدور على المغتاظ نفسه فيرغمه على توجيه العدوان إلى ذاته في حركة عنيفة تتمثل في عضّ أنامله {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ} ، وتهدف إضافة الضمير إلى الغيظ في قوله: {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} إلى رسم صورة نفسية ساخرة تربط هذا الانفعال النفسي بالمنافقين في ربقة لا فكاك لهم عنها، ويلحظ أن النص يصوّر أكثر من انفعال (الحسد، البغض، الغضب) ، وهذا الامتزاج في الانفعالات يسمّى في الدراسة النفسية بالانفعال المركّب، وهو يدل على تأزم الموقف وتعقيده ممّا يثير في الإنسان انفعالات عديدة في آنٍ معًا [1] .
(1) أسس علم النفس: 56.