ومن الصور النفسية التي تتخذ الحركة وسيلة فنية لرسم خيوطها قوله تعالى واصفًا حال المنافقين: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الخَوفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُم كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُم وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًَا} الأحزاب/ 19.
يصوّر النص الكريم عن طريق رصد الحركة نظرات المنافقين الذين اعتراهم الرعب الشديد، ذلك الرعب الذي جعل أبصارهم تحدّق إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجعل محاجرهم تستدير في عيونهم خوفًا وفزعًا، مثلهم في ذلك كالذي يكون في حال الاحتضار فيُعاني من آلام النزع أشدَّها، ويذوق من سكرات الموت أمرَّها، و"يبدو الصدق الفني الواقعي في هذا التشبيه، لأن أدق ما يميز الخائف حركات عينيه، إذ إنه قد يتحكم في أي عضو من أعضائه، وكل حركة من حركات جسمه، بحيث لا يجعل للخوف مجالًا للظهور، لكن شيئًا معينًا لا يمكنه التحكم فيه مهما بلغت قوة أعصابه، ألا وهو حركة العينين، فلا بُدَّ أن تظهر فيهما انفعالاته ورعبه" [1] ، وممّا يلفت النظر في صياغة التعبير هو أن النص أسند الدوران إلى الأعين {تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ} ليلقي في خيال القارئ أن العين كلها تدور لا الأحداق فقط، وفي ذلك إشارة إلى شدة الحركة وكثرة الدوران، ثم إن النص استخدم الفعل (تدور) للدلالة على تلك الحركة المقصودة من بين طائفة من البدائل المُتاحة في هذا المجال، لأن هذا الفعل يدل على استمرارية الحركة وتتابعها على الدوام [2] .
ولمّا أراد الباري سبحانه أن يُطلع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين على نفوس الكفار الحاقدة الحانقة وما تجيش به صدورهم من غيظ عنيف وحسد عميق صوّر حركة عيونهم الحادة وهم يوجهون نظراتهم المسمومة القاتلة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى كادت أن تزل قدمه عن مقامه فقال: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذَّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} القلم/ 51.
إن الحركة التي دلّت عليها كلمة (لَيُزْلِقُونَكَ) جاءت لـ"تصور كفار قريش ومواقفهم ونظراتهم الحادة المليئة بالحقد، وتشخص أبصارهم وكأنها تود أن تبطش وتنتقم من الرسول، ويؤكد شدّة معنى (لَيُزْلِقُونَكَ) جرسُها وإيقاعها وتأكيدها باللام، ونطق حروفها التي تحدث حركة غير منظمة في اللسان، تبتدئ بانزلاق اللسان، وتنتهي بتعلقها بوسط الفم من العلو، كما أنها تنطق عن نفسية كفار مكة ـ وهم في أشد تحرشهم وهيجانهم على الرسول ـ وتبدو معالم هذه النفسية وهي تموج حقدًا وبُغضًا وغِلاًّ" [3] .
(1) لغة المنافقين في القرآن: 2/ 85.
(2) نفسه: 2/ 87.
(3) الإعجاز الفني في القرآن: 102ـ103.