الصفحة 22 من 33

ويُقصد به أن يتم تصوير الانفعالات النفسية بأسلوب إخباري يعتمد على العرض المباشر المجرد من الحوار والحركة، وهذا الأسلوب هو الأصل في التعبير عن الحقائق والخواطر، ومزيته في كتاب الله عز وجل هي أنه يفيض بالإيحاء ويتدفق بالعطاء في إفراز الدلالات الإضافية على النص لاستبطان المعاني الوجدانية البعيدة الغور في النفس الإنسانية، ومردّ ذلك إلى أن الله سبحانه وتعالى يتولّى بنفسه هذا الوصف لجوانب من النفس البشرية، وهو العليم الخبير بخفايا الصدور وهواجس القلوب {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} المائدة/ 7.

ومما ورد من تصوير الانفعالات النفسية على طريقة الوصف المباشر قوله تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} غافر/ 18.

يصوّر النص الكريم من خلال الوصف الخوفَ العالق بالنفوس في مشهد رهيب من مشاهد القيامة، فيه تضيق النفوس وتخفق القلوب حتى كأنها ترتفع عن مواضعها من شدة الضيق فتلتصق بالحناجر، بحيث لا تخرج فيستريحوا ولا ترجع إلى أماكنها فيستروِحوا، فهي غُصّةٌ تثقل صدورهم، وتكرب أنفاسهم، وهم على تلك الحال لا يجدون قريبًا يشفق عليهم أو يبثون إليه آلامهم، ولا شفيعًا ذا كلمة مسموعة يسعى إلى تفريج الكرب ودفع المكروه {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} ، ومثل هذا التعقيب يضفي على الصورة بُعدًا نفسيًا يتمثل في تقرير الانفراد والوحدة، ومن ثم فإن الصورة بشقيها تُعين على استحضار هؤلاء الظالمين وهم بين كرب شديدٍ وانفراد موحش.

وعلى هذا المنحى من الأداء يصف التصوير القرآني الخوفَ الذي يُرجف أفئدة منكري البعث يوم القيامة: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ - أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} النازعات/ 8ـ9.

يغوص التعبير على القلوب ليرسم آثار الخوف عليها، فهي شديدة الاضطراب، لا ثباتَ لها ولا قرارَ، ثم يلتفت إلى الأبصار ليصوّر أمارات الذل البادية على ملامحها، فهي ذليلة كليلة، يُرى الانكسار في نظراتها الخائفة، فتلاحمت بنية الصورة بالجمع بين القلب والبصر في وصف دقيق، و"بذلك يمزج بين المظاهر النفسية والخارجية التي تكون بسبب منها، فوصف القلوب بالوجوف والأبصار بالخشوع، الرهبة في الأولى تسري بين أعطافها، والانكسار في الثانية يشع منها تساؤلات، ولعل في إضافة الأبصار للقلوب تعبيرًا عن العلاقة بين القلب الخائف والبصر الزائغ من الخوف" [1] ، وكلُّ ذلك تمَّ عبر وصف سريع وكلمات قلائل، لكنها ثرية بالدلالات الوجدانية والظلال النفسية.

وبالاتكاء على أسلوب الوصف يصوّر القرآن الكريم معالم وجوه الكافرين ونواياهم السيئة حينما تُتْلى عليهم آيات الله، وذلك في قوله تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ

(1) الوصف في القرآن الكريم: 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت