الَّذِينَ كَفَرُواْ المُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ المَصِيرُ الحج/ 72.
ينهض الوصف القرآني برسم المظاهر الشكلية لوجوه الكفار الذين يضيقون بالاستماع إلى كلام الله، فتبدو وجوههم منقبضة على نفسها، كالحة مسودّة منكرة تُنبئ عن الحقد الدفين والبغض المكنون، ويشخص النص ما تهمّ به نفوس هؤلاءِ الكافرين وهي على أهبة الاستعداد للبطش والوثب، وتفيض بروح الانتقام ونزعة القهر.
في ختام الحديث عن أساليب التصوير لا بد من القول إن التعبير القرآني بالإضافة إلى الاعتماد على إحدى الطرائق الثلاث (الحوار، الحركة، الوصف) في تصوير الانفعالات النفسية يعمد أحيانًا إلى المزج بين طريقتين أو أكثر بُغية رسم أبعاد الصورة برمّتها، ومثال الأول قوله تعالى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} يوسف/ 84، إذ إن الصورة تجمع بين حوار يعقوب في قوله: {وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} ووصف الباري عز وجل له بقوله: {وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} ، أمّا مثال الثاني فهو قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيءٍ نُكُرٍ - خُشَّعًَا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ - مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} القمر/ 6ـ8، حيث نجد الوصف في قوله: {خُشَّعًَا أَبْصَارُهُمْ} ، والحركة في قوله {يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ - مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ} ، والحوار في قوله: {يَقُولُ الكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} ، ولا نطيل الوقوف عند هذه الصور لأنها قد استوفت حظّها من التحليل في المحور الأول من البحث.