الصفحة 17 من 33

عقب تنقيب دقيق في النصوص القرآنية بدا أنها تعتمد في تصوير الانفعالات النفسية على ثلاثة أساليب:

هو الكلام المتبادل بين المتكلم والمتلقي أو بين المتكلم ونفسه، ويضفي على النصوص الأدبية طابعًا قصصيًا، ويتسم في الأعمال الأدبية الرفيعة بالتكثيف والإيحاء والانتقاء في المفردة والتركيب والدلالة لينتقل من مستواه المألوف (المحادثة اليومية) إلى مستوى مثالي فني يتوافر على التأثير وإحياء المشاهد وتصوير المواقف التي يضمّ عليها النص الأدبي، ومن ثَمَّ فإن الحوارَ قادرٌ على استبطان أغوار الشخصيات ليترجم أزماتها النفسية وانفعالاتها الوجدانية في إطار صورة نفسية قائمة على الأفكار المنطوقة [1] .

يعد الحوار في القرآن أحد أبرز الأساليب التعبيرية التي تجسد خلجات النفس في بعض المواقف، ويتضح ذلك في الحوار الذي جرى بين صاحب الجنتين والرجل المؤمن في قوله تعالى: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَاْ أَكُثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًَا - وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًَا - وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًَا مِنْهَا مُنْقَلَبًَا} الكهف/ 34ـ36.

يرسم الحوار صورة رجلٍ تموج نفسه بالكبر ويمتلئ جنبه بالغرور متباهيًا بثرائه الوافر وقُوتِه الكاثر على صاحبه الفقير، وقد نسي الله الذي هو مصدر هذا النعيم البهيج، فاستفحل إحساسه بالكبر في تصاعد أفقي حتى استحال كفرًا وشركًا، ومن هنا فإن الحوار ينهض بمتابعة هذا الشعور المتنامي كما في قوله تعالى على لسان صاحب الجنتين: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًَا} إن هذا الحوار يحمل على لسان قائله ما يدور في خاطره من بقاء الجنتين سالمتين مدى العمر، ومن التشكيك بقيام الساعة، ومن الحصول على الرعاية والإيثار في الآخرة فيما لو كانت هناك قيامة، وهذه الأفكار النفسية المطروحة ما هي إلاّ تداعيات ذهنية للكبر الذي جعل صاحبه يتعالى على الناس، ويتناكر فضل الله عليه.

وتلعب تقنية الحوار دورها في تجسيد هذا الانفعال النفسي، إذ إن الحوار في النص ينتظم فنيًا في شكلين، وهما الحوار الخارجي والحوار الداخلي، ويتمثل الحوار الخارجي في قول صاحب الجنتين {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَاْ أَكُثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًَا} في حين يتمثل الحوار الداخلي في الحديث

(1) النقد التطبيقي التحليلي: 72، والحوار القصصي: 29ـ30، والتعبير الفني في القرآن: 223، والقصص القرآني في مفهومه ومنطوقه: 121، وسيكولوجية القصة في القرآن: 411، 414.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت