انفعال نفسي حادٌّ يصيب الإنسان إثر شعوره بالأخطار التي تحدق به، فيهز كيانه هزًا شديدًا، وقد يشل حركته ويخرجه عن وضعه الطبيعي حاملًا إياه على اتقاء تلك المخاطر ما استطاع إليه سبيلًا.
وقد صوّر التعبير القرآني هذا الانفعال تصويرًا حيًّا في كثير من آياته على اختلاف المواقف التي يواجهها الإنسان، سواء في الدنيا أم في الآخرة، من ذلك قوله تعالى: {يَا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ} الحج/ 1ـ2.
تم تصوير الخوف في النص من خلال رسم حالات حساسة تمس كيان الإنسان ووجدانه، حيث لا تذهل المرضعة عن وليدها الذي ألقمته ثديها، ولا تضع الحامل حملها من غير تمام، ولا يفقد الناس عقولهم إلاّ في إذا عظم الخطب واشتدَّ الأمرُ، ممّا لا يدع مجالًا للالتفات إلى شيءٍ غيرَ نفسه، فالتصوير قائم على مشهد"حافل بكل مرضعة ذاهلة عمّا أرضعت، تنظر ولا ترى، وتتحرك ولا تعي، وبكل حامل تسقط حملها للهول المروّع ينتابها، وبالناس سكارى وما هم بسكارى، يتبدى السكر في نظراتهم الذاهلة، وفي خطواتهم المترنحة، مشهد مزدحم بذلك الحشد المتماوج، تكاد العين تبصره بينما الخيال يتملاه، والهول الشاخص يذهله، فلا يكاد يبلغ أقصاه" [1] ، وقد أسهمت دقة اختيار المفردات وتميز الأنساق الأسلوبية في تصوير أبعاد النص واستحضاره، إذ إن النص استخدم المرضعة بدلًا من المرضعة، لأن"المرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديَها الصبيَّ، والمرضع التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل: مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة" [2] ، ولا يخفى ما يلعبه حشد الأفعال المضارعة (ترونها، تذهل، تضع، ترى) من دور في تقريب صورة الخوف إلى الأذهان لأن صيغة الفعل المضارع"أقدر الصيغ على تصوير الأحداث لكونها تحضر مشهد حدوثها وكأنّ العين تراها وهي تقع" [3] ، كما يلحظ في توظيف لفظة (كل) المكرّرة تعميمٌ يستشف منه تغطية الخوف لكل مرضعة وحاملة، فلا تشذ عنه واحدة من بين إنسان أو حيوان يشعر بغريزة الأمومة على اختلاف قوتها أو ضعفها.
ويتابع التصوير القرآني خوف أولئك الذين يبعثون من قبورهم يوم القيامة وهم يسرعون الخطا مادّين أعناقهم إلى الداعي في قوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيءٍ نُكُرٍ - خُشَّعًَا
(1) مشاهد القيامة: 220، والتصوير الفني في القرآن: 51.
(2) الكشاف: 3/ 142.
(3) خصائص التراكيب: 206.