أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ - مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ القمر/ 6ـ8.
يعوّل رسم أبعاد الصورة على هيئة البصر وهي خاشعة ذليلةٌ من الخوف في حومة السوق إلى ساحة الحشر، وعلى الحركة الدؤوب المتموجة القائمة على تشبيه الموتى حين خروجهم من قبورهم وانتشارهم على الأرض بالجراد المنتشر في الكثرة والتدافع وجولان بعضهم في بعض من غير تعقل ولا تحديد وجهة المسير، وعلى شد أعناقهم من غير الحراك إلى الداعي وهم يبوحون بالخوف القاتل هذا يوم عسر، وفي ترديد الضمة على مساحة متقاربة في قوله: (نُكُر خُشّعًا) وفي قوله (كأنهُم جرادٌ مُنتشر) تصوير للثقل الذي تركه ذلك اليوم الرهيب على قلوب هؤلاء المبعوثين المدهوشين، لأن الضمة أثقل الحركات في اللغة العربية [1] ، وكأن في ثقلها تصويرًا لثقل الخوف الجاثم على صدورهم، إضافة إلى أن صوت الميم في قوله (كأنهم جرادٌ منتشر مهطعين) ورد على نسق فني كثيف للتوظيف نفسه، فهي صوتٌ مجهور يتسم بالقوة والتمكن [2] ، ففي تعاقبها إشارةٌ إلى قوة ذلك اليوم رهبةً وخوفًا في نفوس الناس.
وإذا كان النموذجان السابقان يرصدان مشاعر الإنسان في مواقف القيامة بأهوالها الجسام، فإن في القرآن نماذجَ ترتدّ إلى الدنيا في ماضيها السحيق متمثلًا في الرعب الذي استولى على قلب نبي الله موسى - عليه السلام - بوصفه بشرًا يستجيب للمواقف الانفعالية، شأنه في ذلك شأن سائر الناس، وبرهان ذلك قوله تعالى عن سيِّدنا موسى - عليه السلام - حين قتل قبطيًا فأصبح في المدينة خائفًا يتوقع المكروه ويخشى من افتضاح أمره: {فَأَصْبَحَ فِي المَدِينَةِ خَائِفًَا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} القصص/ 18.
فالتعبير بـ (خائفًا يترقب) يرسم صورة الخائف المترقب الحذر الذي يمشي على مهل مشوب بالتفات مستمر يمينًا وشمالًا، خوفًا من العدو الذي قد يلحقه، فلفظ يترقب"يصور هيئة القلِق الذي يتلفت ويتوجس، ويتوقع الشر في كل لحظة، وهي سمة الشخصية الانفعالية تبدو في هذا الموقف كذلك، والتعبير يجسم هيئة الخوف والقلق بهذا اللفظ، كما أنه يضخمها بكلمتي (في المدينة) ، فالمدينة عادة موطن الأمن والطمأنينة، فإذا كان الخائف يترقب في المدينة، فأعظم الخوف ما كان في مأمن ومستقر" [3] ، ولعلّ هذا التصوير في كلمة (يترقب) يستمد من طبيعة أصواتها التي يطلق عليها اسم الدلالة الصوتية عند المحدثين [4] ، وهي تستنبط في الكلمة المذكورة"من توالي الفتحات الذي يتبعه وقوف الشدة، ثم تجيءُ حركة الضم على الباء" [5] .
(1) في البحث الصوتي عند العرب: 51.
(2) الأصوات اللغوية: 45، وفي البحث الصوتي عند العرب: 42.
(3) في ظلال القرآن: 5/ 2683.
(4) دلالة الألفاظ: 46.
(5) جماليات المفردة القرآنية: 159.