الذي وجهه إلى نفسه قائلًا: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًَا - وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًَا مِنْهَا مُنْقَلَبًَا} ، وهذا التنوع في الحوار يمنح النصَّ بُعدًا إيحائيًا في الدلالة على تمكّن هذا الشعور في نفس الرجل، ظاهرًا وباطنًا، مكشوفًا ومستورًا، فضلًا عن أنه يُضفي عنصرًا جماليًا على السياق القصصي.
ويهدف الحوار الدائر بين أخوة يوسف - عليه السلام - في خفية من أبيهم إلى تصوير الحسد الذي حملهم على تخطيط مؤامرة ضد يوسف - عليه السلام - للتخلص منه مثل ما ورد في قوله تعالى: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} يوسف/ 8.
كان يوسف - عليه السلام - أثيرًا لدى والده، محظوظًا بجنابه مما أثار حسد أخوته فأقبل بعضهم على بعض يتعاطون القول في حوار جماعي يكشف عن تحرك الحسد الجامح العنيف في أعماقهم، ويؤكد سيطرته على مشاعرهم، وقد زاد من إثارة الحسد لديهم أن يوسف - عليه السلام - وأخاه كانا صغيرين، والصغير ـ عادة ـ يكون موضع حسد الأكبر منه، يُضاف إلى ذلك أن يوسف - عليه السلام - قد تفوق عليهم في الملامح الجسدية، لأنه كان أجملهم وجهًا، ويجسد قولهم (ونحن عصبة) قمة نوازعهم الحاسدة التي اجتاحت أنفسهم، فهم يرون أنهم جماعة متعاضدة تعصب بهم الأمور ويستكفون النوائب، بل ذهبوا إلى أكثر من ذلك فدفعهم الحسد إلى أن يرموا أباهم - عليه السلام - بالضلال {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} ، لأنه يؤثر صغيرين لا حول لهما ولا قوة على جماعة نافعة دافعة، ويبلغ الحسد الذي يصوره هذا الحوار أشدّ هيجانه حين يُقدمون على تجسيد عملي لنواياهم الحاسدة متمثلًا في قتل يوسف - عليه السلام - أو إبعاده إلى أرض نائية مجهولة {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًَا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًَا صَالِحِينَ} يوسف/ 9.
ولعل المونولوج ( Monologue) أفضل وسيلة فنية يوظفها القرآن واقعيًا في قصة مريم عليها السلام، لينقل القارئ إلى عمقها ويجعله يتابع انفعالاتها الخائفة وهواجسها الحزينة من الداخل حينما واجهت المخاض على نحو ما ورد في قوله تعالى: {فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًَا مَنْسِيًَّا - فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًَّا} مريم/ 23ـ24.
إن لغة الحوار تسعى إلى تقديم النموذج النفسي والشعوري لمريم عليها السلام وهي"تواجه آلامًا جسدية بجانب الآلام النفسية، تواجه الألم الجسمي الحادّ الذي أجاءها إجاءة إلى جذع النخلة، وهي وحيدة فريدة، تعاني حيرة العذراء في أول مخاض، ولا علم لها بشيء ولا معين لها في شيء، فإذا هي قالت: يا ليتني مِتُّ قبلَ هذا وكُنتُ نَسيًا منسيًّا، فإننا نكاد نرى ملامحها ونحس اضطراب خواطرها،"