الصفحة 15 من 33

(ظلماتٍ) إشارة إلى أنها ظلماتٌ بعضها فوق بعض، ثم أردفه بالإيغال [1] في قوله {لاَ يُبْصِرُونَ} زيادةً في تكثيف الظلام وحجب الرؤية، وقبل ذلك كله تستوقفنا كلمة (استوقد) التي"تبين فيها حال رجل قد أحاطت به حُلكة الظلام، فهو يطلب جاهدًا نارًا تضيء له مسالك السبيل، والسين والتاء يدلاّن على هذا البحث القوي، والطلب الجاد" [2] ، وهذا يوحي بشدة الخوف وكثرة القلق من الظلمة التي تطوق المنافقين بأشباحها، فحاولوا جاهدين أن يستنيروا سبيلهم ولو بنور ضئيل وضوءٍ خافت.

أمّا التصوير الثاني لما يعانيه هؤلاء المنافقون من فرط الحيرة وشدة القلق وتمزق قلوبهم فيتمثل في تشبيههم بقومٍ أصابهم مطرٌ غزيرٌ هاطلٌ من السماء، فيه ظلمات داجيةٌ تحجب رؤية العين، ورعدٌ قاصفٌ يصك الآذان، وبرق خاطف يكاد يذهب بالأبصار، وهم يتوقعون أن تنقض عليهم صاعقة من السماء، فيجعلون أصابعهم في آذانهم خوفًا من الموت، والأصابع لا توضع في الآذان بتمامها، وإنما توضع الأنامل، ولعلّ في هذا إيحاءً إلى كمال حيرتهم، وشدة فزعهم، وفرط اضطرابهم، حيث لا يهتدون إلى استعمال جوارحهم على المعتاد، وكأنّهم فقدوا عقولهم في التمييز بين الواقع والوهم، وتكاد تكون الصورة في قوله: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} مرئية ومشخصة لنفسية المنافقين الحائرين الذين يتأرجحون بين المشي المشوب بالخوف في ضوء البرق اللامع، وبين الوقوف الفائض بالارتعاد في حالة خفائه، وقد فطن الزمخشري إلى جمالية هذه الصورة النفسية المضطربة في الآية فقال:"وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون ويذرون، إذا صادفوا من البرق خفقة ـ مع خوف أن يخطف أبصارهم ـ انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسرية، فإذا خفي وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة" [3] ، والصورةُ عمومًا ناطقة بالاضطراب النفسي، وحافلة بالحركة في الطبيعة وفي النفس، و"إن الحركة التي تغمر المشهد كله، من الصيب الهاطل، إلى الظلمات والرعد والبرق، إلى الحائرين المفزعين فيه، إلى الخطوات المروعة الوجلة، التي تقف عندما يخيم الظلام، إن هذه الحركة في المشهد لترسم ـ عن طريق التأثر الوجداني ـ حركة التيه والاضطراب والقلق والأرجحة التي يعيش فيها المنافقون، بين لقائهم للمؤمنين، وعودتهم للشياطين، بين ما يقولونه لحظة ثم ينكصون عنه فجأة، بين ما يطلبونه من هدى ونور وما يفيئون إليه من ضلال وظلام، فهو مشهد يرمز لحالة نفسية، ويجسم حالة شعورية" [4] .

وعلى هذا النسق التصويري يضرب الله تعالى مثلًا لحيرة التائه الضالّ الذي يرتد عن الحق إلى الباطل، فيظلّ مترددًا بين أن يستجيب لرفقة له ينادونه إلى الهدى، وبين أن يتّبع شياطين تستزله عن الطريق القويم، وذلك في نحو قوله تعالى: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ

(1) الإيغال: هو ختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها. ينظر: جواهر البلاغة: 200.

(2) من بلاغة القرآن: 32.

(3) الكشاف: 1/ 86.

(4) في ظلال القرآن: 1/ 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت