تنبعث هذه النضرة الموحية التي ارتسمت على وجوه الأبرار من شعور نفسي عميق بالمسرة والإكرام، فالوجوه لا تتألق بِشْرًا إلاّ إذا أحسّ أصحابها براحة الشعور وهدوء الضمير، ولم يرِد توظيف (الأرائك) في النص إلاّ عنصرًا بيانيًا يفصّل مظاهر فرحة المؤمنين.
لقد حظي البصر بنصيب وافر من الصور القرآنية ـ لا سيما في مواقف الخوف ـ في تشخيص الانفعالات النفسية، فهو خاشعٌ ذليل في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ - خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} القلم/ 42ـ43.
يعرض النص صورة للرعب الذي يعتري الكفار إثر شعورهم بالأخطار يوم القيامة، وقد تَمَّ هذا العرض الفني من خلال رصد ملامح الأبصار الخاشعة التي تغشاها الذلة والشنار مضمومةً إلى العجز عن الحراك، وكأن أجسامهم من شدة الخوف مشدودةٌ لا تستطيع حراكًا لتلبية الأمر بالدعوة إلى السجود، هذا فضلًا عن أسلوب الكناية الذي اعتمده النص في البداية {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} للتعبير عن شدة الأمر وعظم الخطب.
ووردت مظاهر صورة الأبصار نفسها في مواضع أخرى، لكنها مقرونةٌ بالإسراع في المشي، نحو قوله تعالى: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًَا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ - خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} المعارج/ 43ـ44.
ويستدل بشخوص الأبصار على الرعب المميت، من ذلك قوله تعالى: {وَاقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} الأنبياء/ 97، فإن لفظة (شاخصة) تصوّر أبصار الذين كفروا وهي مفتوحةٌ لا تطرِف من فرط الهول الذي يداهمهم على حين غرّة.
لعلّ صورة الفزع والاستسلام الواردة في سورة إبراهيم من أكثر الصور القرآنية استقصاءً لمظاهر الخوف وعلامات الوجل للظالم حين يواجه مصيره المشؤوم، فيبدو بصره شاخصًا، ورأسه مقنعًا، ومِشيتُه مسرعة، وقلبه فارغًا {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ - مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلّيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} إبراهيم/ 42ـ43.
إن شخوص الأبصار وما يتبعه من أوصاف خارجية تصوير حسي لمظاهر الرعب الذي يعانيه الظالمون، فأبصارهم لا تعرف قرارًا، وهي"تظل مفتوحة مبهوتة مذهولة، مأخوذة بالهول لا تطرف ولا تتحرك، ثم يرسم مشهدًا للقوم في زحمة الهول، مشهدهم مسرعين لا يلوون على شيءٍ، ولا يلتفتون إلى شيءٍ رافعين رؤوسَهم لا عن إرادة ولكنها مشدودة لا يملكون لها حراكًا، يمتد بصرهم إلى ما يشاهدون"