الصفحة 27 من 33

من الرعب فلا يطرف ولا يرتد إليهم، وقلوبهم من الفزع خاوية خالية لا تضم شيئًا يعونه أو يحفظونه أو يتذكرونه، فهي هواء خواء" [1] ."

ومن مظاهر العيون الدمع الغزير الذي يعبّر عن الحزن العميق كقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى المَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًَا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} التوبة/ 91ـ92.

ترسم الآية الثانية من النص سماتٍ مرئيةً لجماعة من المؤمنين الذين يأتون إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقلوبهم لاهفة إلى الجهاد، وفي نفوسهم اشتياقٌ شديد إلى المشاركة في الحرب، لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يجد من الرواحل ما يحملهم إلى ميدان المعركة، فألمت نفوسهم من الغياب عن الجهاد حتى فاضت أعينهم بالدمع تعبيرًا عن هذا التأثر النفسي، والتعبير عن الحزن بالدمع الغزير"حالة معروفة في النفس البشرية حين يبلغ بها التأثر درجة أعلى من أن يفي بها القول، فيفيض الدمع، ليؤدي ما لا يؤديه القول، وليطلق الشحنة الحبيسة من التأثر العميق العنيف" [2] ، وقد تملّى الزمخشري الجذر اللغوي لكلمة (تفيض) ليجعلنا نتأمل دورها في الدلالة على التصوير الحسي فقال:"معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو من إقامة المسبب مقام السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أي تسيل من الدمع من أجل البكاء" [3] ، فهو يلمح إلى أن الفيض إشارة إلى الكثرة والاستمرار، فدموعهم من شدة الحزن كثيرة لا تنضب، ومستمرة لا تنقطع، ولم يكتفِ الزمخشري بذلك، بل التفت أيضًا إلى دقة التعبير القرآني في رصد هذا المظهر البصري قائلًا:"وهو أبلغ من يفيض دمعها، لأن العين جعلت كأن كلها دمعٌ فائض" [4] .

ويستشف من النظرات الخفية بمسارقة الأعين إحساس أصحابها بشدة الخوف كما في قوله تعالى: {وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا العَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ - وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} الشورى/ 44ـ45.

يصور النص مظهر الظالمين وهم يُعرضون على العذاب أذلاّء خاشعين منكسي الأبصار، فلا ينظرون إلاّ بطرفٍ خفي من أعينهم لما يلحقهم من الخجل والوجل، وهذا ما يشهد به الواقع، فالخائف ـ لا سيما الذي يُقاد إلى العذاب ـ لا يقدر أن ينظر إلى المكاره بملء عينيه، بل بزاوية من بصره اختلاسًا.

(1) في ظلال القرآن: 4/ 2111.

(2) نفسه: 2/ 962.

(3) الكشاف: 1/ 670.

(4) نفسه: 2/ 301.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت