وفي تغيير ألوان العيون دلالة على الغم والكدر مثل ما ورد في قوله تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًَا} طه/ 102، فالزرقة لونٌ بين البياض والسواد تعدّه العرب أبغض شيء من ألوان العيون [1] .
ولئن كانت رؤوس المجرمين شامخة رافعة في الدنيا لترمز إلى التطاول على الناس والتعالي على الله، فإنها تبدو في مواقف الخوف يوم القيامة خافضةً متدلية من الذل والخزي في حضرة ذي الجبروت الذي كانوا يترفّعون عليه في الدنيا بإنكاره {وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًَا إِنَّ مُوقِنُونَ} السجدة/ 12.
وقد تظهر الانفعالات النفسية من خلال الصوت الذي يطلقه الإنسان للإفصاح عن آهات الترح أو أغاريد الفرح، ومثال ذلك قوله تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًَا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} فاطر/ 37.
إن هذه الصرخات القوية التي تجسدها لفظة (يصطرخون) مظهر صوتي جلي يشير إلى أن النفس تعاني أشدّ الآلام وتواجه أقصى العذاب في نار جهنم، وقد أسهم جرس اللفظ في تجلية هذا الصياح الشديد، وتلك الأصوات الخشنة الغليظة التي تكتظ بها حناجر الكافرين، لأن لفظة (يصطرخون) أقوى تعبيرًا من مثيلاتها (يصرخون) و (يتصارخون) لوجود حرف الطاء الذي هو أحد حروف الإطباق الشديدة النطق، فهو زيد في (يصطرخون) للدلالة على زيادة استغاثة الكافرين وشدة جلبتهم اليائسة، ومن ثمّ الدلالة على تصوير الفزع الذي تستشعر به النفوس الكافرة.
مثلما عبّرت الأصواتُ في الصورة السابقة بشدتها وضجيجها عن مظهر الخائف الفزِع فهي تعبّر بسكونها وخفتها في الصورة اللاحقة عن المظهر نفسه، إذ يقول الباري سبحانه وتعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًَا} طه/ 108.
يصف النص ملامح أولئك الذين يخرجون من قبورهم وهم يتبعون الداعي في خضوع لا عوج له، فلا حركة ولا نأمة، الكلام صامت، والصوت خاشع فلا تسمع إلاّ تحريك الشفتين همسًا، حيث"خفضت الأصوات من شدة الفزع وخفتت" [2] ، لأن الخوف استبدّ بمجامع قلوبهم حتى أسكت أصواتهم.
وتبقى هيئة الجسم كله شاخصة لتعكس مظاهر الانفعالات النفسية مثل ما جاء في قوله تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا اليَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الجاثية/ 28.
(1) نفسه: 3/ 87.
(2) نفسه: 3/ 89.