الذين يمرّون بدمشق، يركب الواحد منهم القطار فيبقى مستريحًا على كرسيه حتى يبلغ غايته. كان في هذا الخطّ مدد حياة لمدينة رسول الله ' وشريان يحمل دم الصحّة لكل مكان يمرّ به، فهل ييسّر الله إعادته؟
كان شعراء العرب يجوزون بالمكان الذي كان مثابة المحبّين ومجمع العشّاق، فيثيرهم مكان الخيمة ومضرب الوتد وموقد النار، فيَنْظمون في ذلك خوالد الأشعار، من يوم وقف شيخهم امرؤ القيس واستوقف وبكى واستبكى، وما يبكون إلاّ وصال حبيب افتقدوه، أو مجلسًا منه أو قبلة أو ضمّة أو شَمّة، أفلا يبكي شعراؤنا اليوم هذه المحطّات الخالية التي ينعب فيها البوم وتنعق الغربان؟ ألم يقف واحدٌ منهم على محطّة باب العَنْبرية في المدينة أو محطّة تبوك، أو المعمل العظيم الذي أقاموه في «القدم» ظاهر دمشق، وكان في عهد عِزّه قادرًا على إنتاج قاطرة كاملة؟ ألا يذكّرهم مرأى هذا الخطّ ممتدًا في البادية تغطّيه الرمال، يصبح وحيدًا ويمسي وحيدًا، لم يبقَ له من يمرّ عليه؟
لِمَ لا تكون هذه الكلمة دعوة منّي للشعراء (وما أكثرهم بحمد الله) ليقفوا على هذا الخطّ وعلى محطّاته ويتذكّروا تاريخ حياته، ثم يصوغوا ما تشعر به قلوبهم شعرًا باقيًا تفيض به ألسنتهم؟
هذه دعوة، ولكن هل من مجيب؟