ويشير الدكتور خالد السامرائي إلى ان مثل هذا الغرض الأسطوري في رسم الصورة الشعرية عند ذي الرمة أصبح يغري بتتبع جذرها الديني في شعر ذي الرمة، بعد ان أصبح تكرارها يشكل تقليدًا فنيًا [1] .
ويشير الدكتور نصرت عبد الرحمن إلى ان الصور الشعرية ذات الدلالات الاسطورية حملت كمًا غير قليل من الدلالات العميقة التي لم تكن مقصورة بذاتها بالضرورة، بقدر ما كان الشاعر يدخلها في شعره بشكل لا واعي، أي ان الرموز والدلالات الشعرية الجاهلية وجدت طريقها لتستقر ظلالها في صور الشاعر معبرة عن الجانب العميق واللاواعي في ذهنه. وهذا ما يعلل تكراره إياها وتوكيد دلالاتها في شعره، وتأثر المتلقي بهذه الرموز في شعر ذي الرمة [2] .
ويمكن القول إن الوصف المجرد في الشعر يمكن ان يكون ضحلًا إذا
ما عني بظواهر الأمور ولم يتوغل في العالم الداخلي،"الذي قد تستقر في أعماقه، كما تستقر في أعماق قائلها، وفي عقله غير الواعي، بقايا مخاوف وأشواق وعبادات تضرب أصولها في التاريخ الموغل في القدم" [3] . ذلك ان الرموز الدينية والأسطورية من الممكن ان تكون منقولة في شعر الشاعر بصفتها تقليدًا فنيًا، إذ يترك الشاعر بصماته عليها، ومن جانب آخر فأن هذه البصمات قد لا تغير شيئًا كثيرًا في جوهر تلك الرموز، وإنما تتمثل في أسلوب الشاعر في تشكيل صورة وخلق علاقتها اللغوية [4] .
ومن الممكن القول في هذا الإطار إن المرأة في شعر ذي الرمة كانت جزءًا من المنبع الاسطوري لشعره، ويوحي بذلك يوسف خليف قائلًا"... الحب والصحراء هما المعبودتان اللتان شغف بهما حبًا، وعاش حياته القصيرة التي مرت"
(1) ذو الرمة شمولية الرؤية ... ، د. خالد ناجي، 131.
(2) الصورة الفنية في الشعر الجاهلي، د. نصرت عبد الرحمن، 37.
(3) قصة ثور الوحش، د. عبد الجبار المطلبي، 204.
(4) ذو الرمة شمولية الرؤية ... ، د. خالد ناجي، 134. لمزيد من التفصيلات عن جذور المعتقدات الآسطورية والدينية وأصولها وفلسفتها، ينظر: عشتار ومأساة تموز، د. فاضل عبد الواحد علي؛ بلاد الرافدين - الكتابة - العقل - الآلهة، جان بوتيرو. وعن الإنعكاسات الدينية في أدب تلك المرحلة، ينظر: ادونيس، جيمس فريزر، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، 9، 8، 10، 13، 14، 146، 147.