الصفحة 100 من 118

المنهج الاسطوري.

يشير بعض النقاد المحدثين إلى أن التقليد الفني لا يأخذ شكله الثابت من ناحيتي الرمز والدلالة إلا بوجود مؤثرات أسطورية أو سحرية أو دينية ذات أثر في رؤى الشاعر وتحديد أبعاد رموزه مما لا يمكن التغلب على هذه الحدود أو الخروج عليها، ويبدو ان الشاعر الجاهلي حين تشبث بتشكيلات معينة، كان على وعي بدلالاتها وخلفياتها الأسطورية الدينية، والمؤثرات الاسطورية كانت ما تزال تلقي على الشاعر بضلالتها على عالمه الشعري، وبقيت البنى الفكرية على هيكليتها في جانبها الاعتقادي، إذ كان يصدر الشاعر الجاهلي عن معتقداته من خلال الجوار لشعوب أخرى كسكان وادي الرافدين والفنيقيين وعرب الجنوب. إلا ان الشاعر الإسلامي لم يكن يعي ذلك كله بنفس ما كان عليه الشاعر الجاهلي، فقد أثر الإسلام في حياته اجتماعيًا وفكريًا، وأعطى حلولًا وأجوبة لعدد من التساؤلات عن الحياة والموت والمصير، وهم بذلك يستندون إلى الخلفية التاريخية والحضارية لشعوب المنطقة [1] .

وكان الشعراء الأمويون قد بدءوا يعيدون ثانية بناء التقاليد الفنية الجاهلية، إلا انها فقدت عناصرها الفكرية الجاهلية، ذلك هو عنصر الدلالة الاسطورية

(أو السحرية) فقد تأثر الشاعر الجاهلي بها في شعره دون أن يعي خلفيتها الدينية وعيًا تامًا، وحين أقدم الشاعر الأموي على استلهام تلك الصور أخذها من دون أن يقصد دلالاتها وقيمها [2] .

لقد أصبحت تلك الصور والرموز قوالب فنية تقليدية لم يكن الشاعر الإسلامي قادرًا على استيعاب معانيها ودلالاتها بكامل طاقاتها، وحين كان يخرج عنها كان يخرج عن قيمتها ومعانيها وخلفياتها التاريخية دون أن يعي ذلك، غير ان حالة غياب الوعي الكامل، لا تعني غياب ترسبات من بعض تلك القيم الجاهلية في ذهن الشاعر.

(1) ذو الرمة شمولية الرؤية ... ، د. خالد ناجي، 131 - 132.

(2) الصورة الفنية في الشعر الجاهلي، د. نصرت عبد الرحمن، 137.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت