الصفحة 16 من 118

الفصل الأول

المبحث الأول

شخصيته.

ان الشاعر الذي نحن بصدد دراسة شخصيته بين ناقديه، هي شخصية بدويّ، تحمل فيما تحمله بين طياتها صفات الصحراء وسمات البدوي (النجدي) بكل ما تعنيه هذه الكلمة. وتشير الروايات إلى ان ذا الرمة كان شديد الارتباط بالبيئة التي أنجبته، إذ قضّى اغلب حياته في الصحراء،"... في أكثبة الدهناء في اليمامة ولم يخرج منها إلا لحاجة ثم لا يلبث أن يعود إليها" [1] . وما أورده صاحب روضات الجنان يؤكد حقيقة بدوية ذلك الرجل، وعمق ارتباطه بأرضه وأهله، إذ لم تغره الحواضر التي نشأت على أطراف الجزيرة على الرغم من أنه عاصر مرحلة زاهية من مراحل الدولة الإسلامية، إذ يشير المؤرخون إلى أن تلك المرحلة شهدت رقيًا في الحياة العقلية، وازدهارًا واضحًا في النظم الاقتصادية والاجتماعية ونموًا في فلسفة العقائد الدينية. تلك هي الحقبة التي تمتد بين أواسط عهد عبد الملك بن مروان (65 - 86هـ) وأواخر عهد هشام بن عبد الملك (105 - 125هـ) [2] .

إن بيئة الصحراء على الرغم من قدرتها على استجذاب ذي الرمة نحو مفاوزها اللامدركة الجمال والحيوية إلا لمن عرفها عن قرب ولمن عاش تفاصيلها ذات الآفاق المتناهية، لم تمنعه من ارتمائه في أحضان تلك الحواضر كغيره من الشعراء الآخرين، إذ اكد أبو الفرج الأصفهاني (356هـ) أن ذا الرمة كان كثير الترداد على البصرة وكان ينشد شعره في سوق الإبل (المربد) ، وفي الكوفة كان ينشد الناس في الكناسة [3] ، وأشار إلى ذلك أبن خلكان أيضًا (ت 681هـ) [4] . وقيل أنه وصل إلى أصبهان [5] ، وهو يؤكد ذلك في شعره قائلًا: [طويل]

(1) روضات الجنان، الأصبهاني الخوانساري،497.

(2) تاريخ الإسلام، 1/ 291 - 299، 1/ 232.

(3) الأغاني، الأصفهاني، 16/ 243.

(4) وفيات الأعيان، ابن خلكان، 3/ 184.

(5) روضات الجنان، للأصبهاني، 497.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت