الفصل الثاني
المبحث الأول
القضايا البلاغية.
من الواضح إن النقاد القدامى قد عُنوا بالطبع والتكلف عند الشعراء، حتى أصبح ذلك إشارة إلى مصطلحين نقديين قائمين بذاتهما يعتمد عليهما الحكم على الشعراء قديمًا وحديثًا [1] .
ومن أبرز إشارات النقاد القدامى لهذا الجانب، إشارة القاضي الجرجاني (ت 392هـ) ، إذ يقول:"... إن الشعر علم من علوم العرب، يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء وتكون الدربة مادة له وقوة لكل واحد من أسبابه، فمن اجتمعت لديه هذه الخصال فهو المحسن المبرز، وبقدر نصيبه منها، تكون مرتبته من الإحسان ..." [2] .
ويعد بشر بن المعتمر من السباقين إلى الدعوة إلى صناعة الشعر، جنبًا إلى جنب مع الطبع والموهبة فهو يقول"... فإن ابتليت بأن تتكلف القول وتتعاطى الصنعة ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة، فلا تعجل ولا تضجر، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك فانك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن كانت هناك طبيعة أو جريت من الصناعة على عرق" [3] .
(1) كانت العرب تنظر قديمًا إلى القصيدة من خلال فصاحة الكلام وجزالته وبسط المعنى وإبرازه واتقان بنية الشعر، في حين صار الشعر عند المحدثين صنعة وتبدلت الألفاظ والعبارات، وإذا كانت القصيدة القديمة عرفت بعفويتها وصدق تعبيرها، فالشعر المحدث أصبح يتصل بمؤثرات جديدة أبعدته عن الينابيع القديمة لأصول الشعر، إن هذا كله جعل النقاد القدامى يسمون الشعر القديم بـ (الطبع) والنوع الآخر يـ (التكلف) ينظر: الطبع والصنعة معيارًا نقديًا عند العرب، رسالة ماجستير على الآلة الكاتبة، عبد السلام محمد
رشيد، 181.
(2) الوساطة، الجرجاني، 15.
(3) البيان والتبيين، الجاحظ،1/ 138.