مما لا شك فيه أن ذا الرمة وشعره كان يمثل شكلًا مميزًا من أشكال التعبير الشعري في عصره، ليس لبداوة لغته الشعرية فحسب، وإنما لجرأته على ايراد دلالات لعدد من الألفاظ في الحقل المعنوي الواحد، وولعه بنقله إياها من دائرة دلالية إلى أخرى، وهذه الظاهرة في شعر ذي الرمة لم تكن معهودة في شعر شعراء عصره الآخرين [1] .
وبسبب بدواة ذي الرمة لم يكن هذا الشاعر قريبًا من الظروف السياسية المضطربة التي عاشها غيره من الشعراء [2] ، إلا أن نتاج ذي الرمة الشعري جاء في ظل مرحلة انبعاث الشعر العربي وازدهاره وتبلور أغراضه وظواهره في تيارات ومدارس واضحة السمات والدلالات [3] ، بعدما شغل الناس عن مسيرة تطوره في غمرة حماسهم للإسلام العظيم وانشغالهم بنشر رسالته العظيمة، وتوجههم للتأمل في كتابه العزيز، مبهورين بروعة بيانه المعجز [4] . كما شهد العصر الأموي حركة ثقافية وثّابة قل نظيرها في العصور الإسلامية الأخرى [5] .
و (ذو الرمة) لقب غلب على الشاعر، فاسمه (غيلان بن عقبة بن بُهيش بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة العدوي) [6] .
(1) ينظر: ذو الرمة شمولية الرؤية وبراعة التصوير، خالد ناجي السامرائي، 7.
(2) لمزيد من التفصيلات عن الأوضاع السياسية المضطربة في العصر الأموي ينظر: فتوح البلدان، البلاذري، 483. عيون الأخبار، أبن قتيبة، 1/ 132. مروج الذهب،
المسعودي، 3/ 98،99، 104، 105، 108. الكامل، المبرد، 2/ 226. تاريخ الرسل والملوك الطبري، 5/ 140 - 142، 145 - 196.الكامل في التاريخ، أبن الأثير، 4/ 40.
(3) ينظر: التطور والتجديد في الشعر الأموي، د. شوقي ضيف، 55 - 130.
(4) ينظر: تاريخ الأدب العربي، العصر الإسلامي، د. شوقي ضيف، 42 - 67.
(5) عن هذه الحركة، ينظر: صفوة الصفوة، أبن الجوزي، 3/ 181. وفيات الأعيان، أبن خلكان، 3/ 248. تذكرة الحفاظ، الذهبي، 1/ 115، 116. تهذيب التهذيب، أبن حجر العسقلاني، 5/ 276 - 279. طبقات القراء، ابن الجوزي، 1/ 235، 284، 350، 410، 604، 613، 2/ 25، 336، 381. شرح صحيح مسلم (النووي) 1/ 75، 76.
(6) سمط اللآلي، البكري، 8؛ خزانة الأدب، البغدادي، 1/ 51.