وفي خاتمة المطاف لابد لنا من الإشارة إلى أبرز ما يمكن ان يخرج به الباحث من نتائج بعد تلك المسيرة الطويلة مع ناقدي ذي الرمة، إذ يمكن القول ان من أبرز الاستنتاجات العامة التي أشار إليها نقاد الشاعر علو مكانته الأدبية، فقد كان هناك إجماع مطلق على أنه لا يقل مكانة عن فحول شعراء العصر الأموي، وأمر آخر كان عليه إجماعهم هو ان ذا الرمة كان دميم الوجه ضعيف الشخصية، كما كان هائمًا بحب (ميّ) التي كادت أن تكون المرأة الوحيدة التي تغزل بها. وإلى جانب هذا وذاك فأن الغموض والتضارب في الآراء النقدية كان عنصرًا واضحًا في آراء النقاد القدماء في كثير من الأمور التي تخص الشاعر وشعره.
وفيما يتعلق بشعر الشاعر وأغراضه الشعرية فمن الملاحظ ان النقاد أجمعوا على قدرة متميزة وموهبة خلاقة اختص بها ذو الرمة وكان الاجماع على تعليل ذلك بأنه بدوي. وكان النقاد مجمعين على ان ذا الرمة أجاد الغزل بشكل لم يسبقه به شاعر في عصره، إلا انهم اختلفوا كثيرًا في امكانيته الشعرية في غرض المدح، وكانت قصيدته في مدح بلال بن أبي بردة ولا سيما ما قاله عن ناقته (صيدح) وقفة مهمة في ايضاح ذلك الخلاف بين النقاد في هذا الجانب - وكان الوصف من الأغراض التي أشار النقاد إلى تمكن ذي الرمة منها وبراعته فيها، إلا انهم عابوا عليه هجاءه وقصوره فيه، ولا سيما وان هذا الفن قد ازدهر في ذلك العصر عند شعراء أمويين معروفين من أمثال جرير والفرزدق والراعي النميري، ونعتقد ان ذلك القصور لا يشكل مثلبة على الشاعر أو عيبًا يخل
بمكانته.
وكانت الآراء النقدية في القضايا البلاغية التي وردت في شعر ذي الرمة آراءًا واضحة في تفضيله على غيره من الشعراء خصوصًا في مجالي التشبيه والاستعارة، وهي آراء واضحة غير متضاربة استند إليها النقاد المحدثون مبدين قناعتهم التامة في هذا الجانب.