أما علة من كفرهم مع أنهم غير معاندين فالسبب لأنه نزل التمكن من الهداية مع توفرها بين يديه لو أراد الدعوة منزلة العناد.
قاعدة: والخلاف الذي ذكر ابن القيم هنا هو الخلاف في نوع من الجهال التابعين لأهل الأهواء والبدع وهم: المبتدعة في غير أصل الإسلام العائشون المخالطون لأهل سنة وقد قامت منازعة ومخاصمة بين السنة والمبتدعة. فأوصافهم: أ ـ مبتدعة في مسائل خفية وليست في أصل الإسلام. ب ـ عائشون ومخالطون لأهل سنة. ج ـ عوام جهال. ويدخل معهم من باب أولى من جمع الأوصاف السابقة مع كونه عالما أو طالب علم لكن من أهل الأهواء والبدع.
و معنى التمكن أي مخالطة أهل السنة ووجود دعوة قائمة لأهل السنة عايشها وعاصرها وحضر مكانها. وفسر الشيخ عبد اللطيف التمكن بالقدرة على إدراك الحق، وفسر ابن سحمان التمكن: بالقدرة على فهم معاني القرآن أو الاطلاع على كتب العلم، ويعرفون بمنازعة أهل السنة وخلافهم لهم.
وهؤلاء المتمكنون هنا من أهل الأهواء والبدع المخالفون في مسائل خفية ليست في أصل الإسلام المعائشون والمخالطون لأهل سنة تنازعوا معهم، هؤلاء وقع خلاف في تكفيرهم:
أ ـ التكفير وهو قول طائفة من أهل الحديث ورواية لمالك وأحمد وقول ابن العربي والسبكي وكل من كفر الخوارج. وكل من كفر المبتدع بنفس البدعة فمع التمكن من الهداية أشد في التكفير.
ب ـ عدم التكفير لا بنفس البدعة ولا بالتمكن من معرفة الحق وهو ظاهر فعل علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن عباس ومن معهم من الصحابة رضي الله عن الجميع في عدم تكفير الخوارج.
قال ابن حزم وهو قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي وإسحاق بن راهويه، ثم اختاره هو اهـ، وهو رواية عن مالك وأحمد، وهو قول القاضي عياض والقاضي أبي بكر المالكي، وابن تيمية والشوكاني وأئمة الدعوة ج ـ وخالف ابن القيم واختار الوقف.
والصحيح عندي التفصيل ـ وقد ذكرت بعض ذلك في كتاب الحقائق ـ والتفصيل هو:
أ ـ أن أهل الأهواء والبدع غير المخالفين في أصل الإسلام والمسائل الظاهرة إنما خالفوا في المسائل الخفية: إن كان في أول ظهورهم وحتى مع النقاش الأول لهم وحتى لو حاربوا فإنهم لا يكفرون لا بنفس البدعة ولا بالتمكن، وعليه ينزل كلام علي وسعد ومن معهم من الصحابة رضي الله عنهم في الخوارج. وعليه ينزل كلام من عاصر أوائل المعتزلة من أهل الحديث، وعليه ينزل كلام من عاصر أوائل الاشاعرة غير الغلاة وهكذا.
ب ـ إذا استطال أمرهم وكثر النقاش لهم من أهل السنة حتى أصبح خلافهم وضلالهم معلوما علما ظاهرا أشبه ما يكون بالمسائل الظاهرة فهنا يكفرون وينزل حالهم هذه حال المعاند حكما، وعليه ينزل تكفير أبي أمامة رضي الله عنه للخوارج الذين عاصرهم وهم غير الحرورية فقد روى ابن ماجة عن أبي أمامة قال شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء وخير قتيل من قتلوا كلاب أهل النار قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفارا قلت