الصفحة 21 من 43

خلال سنتي (1989 - 1990) واستمر في محاولته إلى قيام الوحدة [1] ولكن دون أن يحقق أي نجاح يذكر بسبب ما اعتبره خذلانا من الزعماء التقليديين للجماعات الإسلامية لاسيما الشيخ مقبل الوادعي شيخ السلفية هناك.

لذا فقد حبذ العمل، في أفغانستان، مستقلا إلى جانب التيارات الأخرى المشاركة والتي عملت بنفس الطريقة من الإعداد والتدريب والتوجيه لأهداف قطرية، وكان له ما أراد. ولم تكن له، طوال مرحلة الجهاد الأفغاني الأول، عداوات ولا مشاكل كبيرة مع الحكومة السعودية حتى ذلك الحين، ولم يكن ميالا حتى لفكرة عولمة الجهاد إلى أن ظهرت مشكلة الكويت سنة 1991 واستقدام القوات الأميركية إلى الجزيرة العربية وما خلفه هذا الاستقدام من زلزال عنيف أصاب الأمة وقسمها أفقيا ورأسيا ليس على خلفية احتلال العراق للكويت بل على مشروعية وجود قوات غربية صليبية في أرض الحرمين والاستعانة بها. وكانت التيارات الجهادية العاملة في أفغانستان أكثر من عانى من آثار هذا الزلزال. وتأسيسا على حالة الانقسام هذه بين ساسة الأمة من جهة وبين علمائها من جهة أخرى مثلت السنوات الفارقة بين السودان وطالبان المخاض الفكري الحاسم لدى بن لادن والذي انتهى إلى إعلان الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى الأنظمة السياسية العربية قاطبة متهما إياها بالكفر والردة والتعاون مع الأعداء. وكان لهذا التحول سببين كما يورد أبو مصعب السوري:

-تأثر بن لادن بتيارات الجهاد الإسلامي القادمة من مصر.

-الحضور الأمريكي والغربي الكثيف للقوات المسلحة في الجزيرة العربية بدعوة من حكامها،

والأنكى منه ما اعتبره تشريعا من هيئة علماء المسلمين الرسمية لهذا الحضور.

ومن الطبيعي أن يستدعي هذا التحول مواقف جديدة كل الجدة، ستدفع بن لادن تدريجيا إلى الصعود أكثر من درجة على السلم حيث سينتقل من صاحب مشروع جهادي محدود إلى زعيم لتنظيم جهادي عالمي، ومن معارض ليّن بالنصيحة والمذكرات والرسائل للحكومة السعودية ولهيئة علماء المسلمين وعلى رأسها الشيخ ابن باز إلى معارض شديد وصعب المراس يصب جام غضبه على السلطة وهيئة العلماء بحملات إعلامية نشطة ومكثفة، ومن معارض للوجود الأميركي ونازع للشرعية السياسية والدينية عنه إلى ذروة السلم كمقاوم بالفقه الشرعي وبالسلاح للولايات المتحدة الأمريكية في الجزيرة وفي شتى بقاع الأرض. وتبعا لذلك، وعبر نمط الإسلام الشمولي والعالمي، كان ينبغي التوقف عن المشاريع المحدودة وأن يجري الاستحضار الشرعي للقضية الفلسطينية برمتها عبر الربط الطبيعي بين ما يراه عدوانا أمريكيا على المسلمين في العالم وعدوانا إسرائيليا صهيونيا على المسلمين في فلسطين وبالتالي إضافة المسجد الأقصى إلى قضية الحرمين الشريفين [2] .

ولكن قناعته في السودان التي تحولت إلى ملاذ آمن تحكمه الشريعة سرعان ما بددته الوقائع. ففي سنة 1995 خلال عهد الرئيس بيل كلينتون نفذت الولايات المتحدة برامجها في مكافحة الإرهاب والتي

(1) وهو ما كشفه بصريح العبارة في مقابلة معه أجراها عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة القدس العربي الصادرة بلندن في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1996.

(2) أبو مصعب السوري، مرجع سابق، ص726.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت